Accessibility links

وجهة نظر بشأن القدس ومكة


المسجد الحرام في مكة

بقلم منصور الحاج/

أثار اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمدينة القدس عاصمة لدولة إسرائيل ردود فعل متباينة تفاوتت بين عدم المبالاة والاستنكار والرفض والتنديد والاحتجاج والتهديد، وانتهاء بعملية انتحارية فاشلة استهدف منفذها "عقائد الله" البنغالي الأصل محطة للحافلات في مدينة نيويورك.

صديقي حسن المأمون من السودان مثلا رأى أن إعلان ترامب "بمثابة كتم لأنفاس عملية السلام المحتضرة أصلا وقبلة حياة للجماعات المتطرفة"، لكنه لم يبد في الوقت ذاته أي اهتمام بالنزاع على مصير مدينة القدس، فعلق قائلا: "قدسي هي دارفور المكلومة وجبال النوبة الباكية والانقسنا النائحة والشرق البائس والشمال الكئيب وكردفان العطشى".

من ناحية أخرى، استنكرت العديد من دول العالم والمنظمات الدولية إعلان ترامب، كما هددت الجماعات الجهادية في بيانات أصدرتها أذرعتها الإعلامية ونشرت في مواقع التواصل الاجتماعي، باستهداف رعايا ومصالح الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل حول العالم وفيما خرج آلاف المسلمين في مظاهرات حاشدة في عدة عواصم عربية وإسلامية، دعا زعيم حزب الله حسن نصر الله الفلسطينيين إلى إعلان انتفاضة ثالثة ردا على الإعتراف الأميركي الذي تمنى أن يكون "بداية النهاية لإسرائيل".

لقد أضرت تدخلات العرب والمسلمين شعوبا حكومات كثيرا بقضية الفلسطينيين وأخرجتها من كونها خلاف سياسي بينهم وبين الإسرائيلين إلى صراع ديني استغلته الحركات الإسلامية والمنظمات الجهادية وورقة مساومة يتاجر بها الساسة وزعماء الدول في لعبة التحالفات والعلاقات الدولية المبنية على ما يخدم مصالح الأنظمة الحاكمة والأمن القومي الخاص بكل دولة.

كما حولت الشعوب الإسلامية التي يعول الفلسطينيون عليها القضية من خلاف سياسي إلى صراع ديني أبدي، فاستدعوا نصوص الجهاد والتراث الديني المعادي لليهودية كديانة، والذي يشيطن اليهود كشعب ويعتبرهم قتلة الأنبياء وأحفاد القردة والخنازير ويتهمهم بالغدر والخيانة، ويرى أن العداء معهم أزلي إلى قيام الساعة وأن الحجر والشجر سيقاتلون إلى جانب المسلمين ضد اليهود، وهو الحديث الذي أورده الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يمنّي نفسه بإعادة أمجاد أجداده باستعادة الخلافة الإسلامية في معرض رده على إعلان ترامب.

إن الحل في اعتقادي يكمن في إعادة القضية إلى أصلها واعتبارها خلافا سياسيا بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وبما أن حدوث هذا الأمر يبدو في حكم المستحيل حاليا، فإنني اقترح تأسيس أرضية مشتركة أولا تقبل بالتعايش السلمي وتنهي حالة العداء المبني على أساس ديني قبل البدء في أي حوار أو تفاوض.

تأسيس هذه الأرضية يتطلب وجود رغبة مشتركة في إنهاء النزاع بالطرق السلمية وبما أن كلا الطرفين يدعيان الحق المطلق في ملكية القدس فإنني اقترح أن تتحول المدينة إلى منطقة محايدة تحكمها منظمة الأمم المتحدة وتقدم كل ما يلزم من رؤى وأفكار ومشاريع وأدوات لبناء مجتمع متسامح يؤمن أفراده بالتعايش السلمي مع الأطراف الأخرى وتعمل مكوناته على تعزيز فكرة أن للجميع حقا مشتركا في المدينة عبر برامج توعية يشرف عليها مختصون وبناء مراكز تأهيل للمتطرفين من الطرفين بحيث تتحول حالة العداء السائدة بين المكونات المختلفة للمدينة تدريجيا إلى حالة وئام وتسامح وقبول بالآخر.

إن استمرار حالة العداء المتبادل والكراهية الشديدة والشيطنة المتعمدة لطرف على حساب الطرف الآخر من قبل الأنظمة العربية والإسلامية ورجال الدين المتشددين والمنظمات الإسلامية والحركات الجهادية ووسائل الإعلام كقناة "الجزيرة"، وغيرها يجعل من تحقيق السلام أمرا مستحيلا في ظل هذه الظروف الأمر الذي يعزز فكرة العداء الأبدي وحرص كل طرف على إقصاء الطرف الآخر أو إبادته والرمي به في البحر كما يردد بعض المرضى الذين ملأ الحقد قلوبهم فأعمى بصيرتهم.

لقد حان الوقت لتغيير منهجية إدارة الصراع وإخراجها من الدائرة المغلقة التي تدور فيها منذ عقود والانطلاق بها نحو فضاءات إنسانية يسودها فهم مشترك بأننا جميعا بشر ولا خيار لنا إلا أن نقبل بأن نتعايش معا ونحل خلافاتنا بالطرق السلمية فالقدس تسع الجميع إن تطايبت النفوس.

والآن وقد أوضحت وجهة نظري في ما يتعلق بمدينة القدس ربما تتساءل عزيزي القارئ عن سبب اقحامي لمدينة مكة في عنوان هذا المقال. فلك أقول: نظرا لأن مدينة القدس محل جدل ديني بين اليهود والمسلمين ومصدرا للمزايدات والمشاحنات والتحريض على العنف اقترحت تحويلها إلى مدينة للسلام والتعايش والتسامح الديني.

ونظرا لأن مكة باتت مصدرا للعقيدة الوهابية الإقصائية المتطرفة وقبلة للشحن الطائفي يستغل القائمون عليها مكانتها في قلوب المسلمين لتحقيق مكاسب سياسية، اقترح أيضا أن تتحول مكة بالإضافة إلى المشاعر المقدسة إلى مناطق محايدة تحكمها الأمم المتحدة وتقدم كل ما يلزم لجعلها منبعا للتسامح الطائفي يعيش فيها المسلمون من جميع الملل والنحل حياة متسامحة دون تكفير أو تفجير أو إرهاب أو قتل أو تفسيق أو تضليل أو لعن أو طرد من رحمة الله.

لقد أضر تدخل السلطات السعودية في الشأن الديني بمكانة مكة والمشاعر المقدسة، فبدلا من أن تعمل السلطات على التقريب بين المذاهب وإرساء دعائم التسامح بين المسلمين من جميع المذاهب والطوائف، تستغل الحكومة السعودية تلك المنابر الدينية في التحريض على الآخرين وتعزيز حكم آل سعود كما حدث في خطبة الحج في العام الماضي حين اعتبر الشيخ سعد الشتري "إن من أوجه التقرب إلى الله الدعاء لولي الأمر". كما منحت السلطات السعودية 1800 تأشيرة حج لنواب مصريين بعد إقرار البرلمان لاتفاقية تنازلت فيها مصر عن جزيرتي تيران وصنافير لصالح السعودية.

وقبل عدة أشهر، اتهمت السلطات السعودية جماعة "أنصار الله" في اليمن بمحاولة استهداف مكة المكرمة، بهدف شيطنة الجماعة واستغلال مكانة مكة في نفوس المسلمين لتبرير الجرائم التي ترتكبها قوات التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن في الوقت الذي أكدت الجماعة أن الصاروخ كان يستهدف قاعدة جوية تنطلق منها الطائرات التي تقصف اليمنيين.

كما يعزز اتهام ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لإيران قبل أشهر بأنها تهدف "إلى الوصول إلى قبلة المسلمين" تمادي السلطات السعودية في استغلال مكانة المشاعر المقدسة في صراعاتها السياسية وعلاقاتها الدولية مع دول العالم، وهو الأمر الذي يجب أن يتوقف من خلال تحييد المشاعر وعدم السماح لأي نظام أو جماعة أو حركة بالمتاجرة بمكانة مكة.

في المقابل، تكفر الحركات الجهادية النظام السعودي وتصف الأسرة الحاكمة بـ"آل سلول" في إشارة إلى عبد الله بن أبي بن سلول الذي تصفة كتب التاريخ بـ"رأس المنافقين" وبأنهم "خونة" الحرمين بسبب علاقات المملكة بالولايات المتحدة والغرب الذين تتهمتهم تلك التنظيمات بشن حرب على الإسلام تحت ذريعة مكافحة الإرهاب.

وكما تستغل السلطات السعودية مكانة الحرمين، تستغل أيضا خطاب الجماعات الجهادية الأكثر تشددا لتقول للعالم بأن رحيلهم يعني وصول من هم أكثر دموية وتطرفا كتنظيم الدولة الإسلامية الذي لا يعترف بحكمهم ويطلق على البلاد اسم "بلاد الحرمين".

إن مصير مكة والمدينة والمشاعر المقدسة أكبر من أن تحدده عائلة أقصى ما تحلم به هو البقاء في السلطة عبر استغلال الدين أو تنظيمات إرهابية تقسم العالم إلى داري حرب وإسلام ولا تقيم للحضارة الإنسانية وما وصل إليه العلم أي وزن، وتحلم بإعادة تاريخ "الفتوحات" والسبي والاستعباد.

إن القدس ومكة أماكن مقدسة عند ملايين البشر من أديان ومذاهب مختلفة وبالإمكان أن تلعب المدينتان دورا محوريا في تعزيز قيم الحب والتسامح والتعايش السلمي بدلا من الكراهية والتحريض والتكفير، وأن تسحب البساط من تحت الأنظمة والجماعات التي تستغل مكانتيهما لتنفيذ أجندات سياسية أو تعزيز أفكار دينية إقصائية ومتطرفة عفا عليها الزمن. إن في مكة أيضا متسعا لجميع الطوائف والمذاهب والفرق إن تطايبت النفوس ورضيت بالتعايش مبدأ للحياة بدلا من التناحر والإقصاء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG