Accessibility links

الفرعون في جغرافيا مجنونة بالمقدس


المكان الذي قتل فيه الكاتب والناشط الأردني ناهض حتر أمام قصر العدل في العاصمة عمان_أرشيف

بقلم مالك العثامنة/

في الأمثال العربية هنالك مثل على شكل حوار مع المستبد – أي مستبد - يسأل فيه المواطن المجهول والعادي جدا ذلك المستبد بقوله: يا فرعون، من فرعنك؟ فيجيب الفرعون الطاغي: لم أجد أحدا يردني.

هذا المثل على بساطته يلخص كثيرا من طبائع الاستبداد في عالمنا العربي، والاستبداد هنا لا يشمل العلاقة بين السلطة الحاكمة والمحكومين، بل يشمل نظم الاستبداد الاجتماعي أيضا، مثل استبداد أغلبية على أقليات! وهذا يمتد على مساحات أيضا مثل طغيان عرق على أعراق، أو دين على أديان.

أكثر ما يستفزني شخصيا وأنا ابن بلاد الشام، وسليل ثقافاتها الممسوخة بكثير من تشوه صحراوي قادم من كثبان ربعها بطبيعته خال، هو ضعف ابن الشام وانكساره المستمر أمام فرعنة الدين السائد، ولأكون محددا هنا، يستفزني مشاهد الضعف عند بعض مسيحيي المشرق العربي ولغة الاستكانة التي يواجهون بها طغيان التطرف الإسلامي ( بحكم أنه دين الأغلبية)، وحين يريد البعض منهم الاستقواء، يكون ذلك الاستقواء في مكانه الغلط وتوقيته الأكثر حماقة.

قبل أسبوع، وفي محاولة بائسة لإعادة إنتاج معكوسة لواقعة المفكر الراحل ناهض حتر، قام بعض رجال الدين المسيحي بالثورة الغاضبة "غير المقنعة" على رسم رسمه فنان الكاريكاتير الأردني عماد حجاج، صور فيه المسيح مصلوبا وينطق بعبارات إدانة لما قيل إنه عمليات بيع قامت بها البطركية الأرثوذكسية في القدس لأوقاف مسيحية!!

في المأساة المؤسفة جدا لما وقع للراحل ناهض حتر، كان الاستقواء على "رجل مسيحي" بوابة سهلة للقضاء على المفكر والكاتب السياسي (الوطني والعلماني).

وقبل اغتيال ناهض حتر، كانت عمليات التحريض التي تعرض لها - وقد أشعلت شرارتها تهمة ركيكة جدا - تعكس حجم الاستقواء الديني على رجل ولد مسيحيا في أرض هي مهد المسيحية التي انتشرت في العالم.

في محاولة التحريض على عماد حجاج، يبدو أن الجرح الذي كان غائرا في الوجدان المسيحي، ولا أحد قادر على البوح به بشجاعة، وجد بوابته الخطأ في المطالبة بتجريم رسام الكاريكاتير بدلا من توجيه الغضب "الحقيقي والشرعي" نحو المجرم الحقيقي، وهو هنا تحديدا وبصراحة، الاستبداد الديني للمتطرفين.

الرسام الأردني لم يفعل أكثر من إعادة إنتاج فكرة مكررة تستلهم المسيح بكل رمزيته الثقيلة تاريخيا لإدانة سلوك سياسي، وقد فعلها قبله بذات الرسم الفلسطيني الراحل والأكثر شهرة ناجي العلي، وربما قد تجد الرسم مكررا للمسيح مصلوبا وينطق بالإدانة في أكثر من رسم حول العالم في إسقاط لقضايا سياسية يجد فيها الرسامون مظلومية لا أحد غير المسيح مصلوبا قادر على تحريك الرأي العام فيها.

تلك كانت حادثة انتهت بإجهاضها – والحمد لله- دون وقوع خسائر، لكنها في الوقت ذاته تشعل حقلا من الأسئلة النارية الملتهبة.

لماذا لم يقم نفس رعاة الكنيسة في الشرق بالتصدي للاستبداد والطغيان الذي ينتشر في مشرقهم وأوطانهم، وينعتهم بعباد الصليب مثلا؟ أو يصفهم بالكفار؟

لماذا لا يقومون بحملة شجاعة وواعية ومدنية ضد ما تجود به بعض منابر الجوامع في مشرقهم وأوطانهم التي خرجت منها المسيحية نحو العالم، وهي تدعو على المسيحيين بالهلاك، وتحرض عليهم وتصفهم بأقذع الأوصاف برعاية مقدسة من التطرف وغض نظر رسمي يخشى المواجهة؟

لماذا تواطأ بعضهم بخضوع غير مبرر لحملة التحريض على الراحل ناهض حتر؟ ولو افترضنا أنهم كانوا صادقين في إدانتهم للراحل الكبير ناهض حتر وكل ما فعله أنه نشر رسما كرتونيا لرسام آخر، فلماذا لم يقوموا بإدانة شيخ إسلامي "برتبة وزير سابق" و جريدة إسلامية وقد نشروا ذات الرسم؟

في الأثناء، وفي الأعلى قليلا من ذات الجغرافيا حيث الشمال، وحيث لبنان " ومسيحيوه تاريخيا هم الأكثر شجاعة وحرية"، نجد ذات الاستبداد "الديني" يمتد عبر أكثر من حكاية، وكان آخرها في بلدة مارونية وادعة، اسمها غدراس من قضاء كسروان، حيث تقرر حاضنة إسلامية شيعية باستقواء من نفوذ حزب الله الذي صار بحجم الدولة كلها، أن تبني مزارا دينيا على شكل مصلى في تلك البلدة المارونية بناء على حكاية تقول ان أول مستورد للمذهب الشيعي قام بالصلاة الأولى هناك!!

الجهة التي قامت ببناء المصلى الشيعي في منطقة مارونية، تدرك وتعي جيدا أن المزارات الدينية هي عامل جذب شهي للانزياحات السكانية، وهي مسمار جحا الذي يتحول إلى احتلال ديمغرافي سيحمل صفة المقدس مما يعني بذل الدم "من كل الأطراف" من أجل الاستحواذ عليه، وهذه كرة ثلج صغيرة تم دحرجتها في جغرافيا مجنونة بالمقدس.

هذه الحادثة تعيدنا إلى المغالطات والكذب والتزوير التاريخي الذي استمرأناه بتواطؤ مخز، ولم نجد رجل كنيسة شجاعا في زماننا المعلوماتي هذا يقف ليقود حملة تصحيح توقف مد هذا التطرف وقد غلفته هالات التقديس الديني، وجمع حوله الأغلبية بلا تفكير ولا وعي ولا معلومات صحيحة. ففي الشرق الأوسط، كل ما عليك فعله أن تغلف ادعاءاتك بغلاف من التضليل المقدس فتتكسر رماح الحقيقة عليها بسهولة.

في مهجري الأوروبي، حيث الأوطان الجديدة لكثير من اللاجئين الذين نزحوا بحثا عن حياة أفضل وقد عانوا من ويلات الحروب، تتكشف لك وأنت تلتقي بالعديد منهم وتصادق كثيرين منهم وتطرد كثيرين أيضا من حياتك، بهذا الكم من الاستبداد الذي يحمله هؤلاء، وهذا الكم من الاستسلام الخاضع الذي حمله هؤلاء أيضا.

بين مسلم ومسيحي وإسماعيلي ودرزي وملحد وبكل مشتقاتهم الطائفية، تجد أن في داخل كثير من المهاجرين "أو اللاجئين" المسلمين تلك البذرة الاستبدادية كامنة في أعماقهم، وتجد ملامحها حتى في الأوطان الجديدة من خلال استماعك لأحاديثهم في الجلسات المغلقة، وهم يتباحثون قوانين تلك الأوطان الجديدة للحصول على أكبر مكاسب حتى لو بالغش والتدليس. والفتوى – المقدسة طبعا - جاهزة، فأموال تلك الدول الكافرة غنيمتها حلال، والأرض كل الأرض للمسلمين أينما كانوا!!

وبدلا من الاندماج في المجتمعات الجديدة وهو اندماج لا خضوع فيه بل يحتوي على مساحات شاسعة جدا من فرص التشابك الثقافي والحضاري المثمر إنسانيا على المدى البعيد، يلجأ كثير من العرب (المسلمين تحديدا) إلى التقوقع في "غيتوهات" منعزلة عما حولهم، لا تشابك فيها إلا بقوانين المساعدة الاجتماعية والتقاط المكاسب بأقصى حد ممكن، والشعور الواهم بالتفوق "المقدس" والطهارة الذاتية الواهمة على باقي البشر.

في المقابل، فإن جاز لنا تسميتهم بالأقليات، فإن باقي المهاجرين العرب من مسيحيين وحتى من هم خارج ملة الإسلام، مندمجون بشكل أكبر في الأوطان الجديدة، ومتشابكون ثقافيا مع الثقافات العديدة في تلك الأوطان بانفتاح لا خوف فيه من الذوبان، فلا أحد منهم لديه إحساس "البودرة" بثقافته التي يحملها.

قبل أسبوع، تلقيت دعوة لحضور حفلة أشرفت على تنظيمها جمعية مشرقية شجاعة وفاعلة وضعت شعارها حرف النون نفسه بخط النسخ العربي الجميل، لحضور حفلة غنائية تحييها راهبة لبنانية بصوتها الأوبرالي الجميل، لترانيم وتراتيل وقصائد مغناة من بينها قصيدة لرابعة العدوية (نعم.. رابعة العدوية تلك الصوفية المدهشة)، وكان الحفل في مبنى البازليك في بروكسل وأحد أكبر معالم المدينة بقبته الخضراء، والقاعة التاريخية امتلأت بأوروبيين أكثر من العرب أنفسهم، وحلقت بنا الأخت ماري كيروز بشدوها إلى ارتفاعات شاهقة، لتهبط بنا بسلام وكنت فخورا أمام جيراني الأوربيين بهذا الإبداع القادم من بلادي، بلاد الشام، وفي كلمتها المقتضبة بعد الحفل، همست الراهبة الجليلة على الميكرفون تخاطب الحفل الذي دعم بحضوره مسيحيي المشرق للبقاء في أوطانهم و بناء بيوتهم بقولها: " تلك أوطاننا التي هناك، ولن نغادرها".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG