Accessibility links

ناهض حتر: اغتيال الوعي برعاية رسمية


محكمة في العاصمة الأردنية عمان حيث قتل الصحافي الأردني ناهض حتر

بقلم مالك العثامنة/

في مثل هذه الأيام، عام 2016، ومثل غيري تعرضت لصدمة تلقي خبر اغتيال الكاتب والمفكر الأردني الراحل ناهض حتر، على عتبات الباب الكبير لمبنى قصر العدل في العاصمة الأردنية – عمان.

بلا شك، حزنت على رجل عرفته لفترة من الزمن، وتعلمت منه قواعد الاشتباك السياسي والصحفي معا في منتصف التسعينيات، قبل أن نفترق وقد افترقت الرؤى قبل ذلك.

لكن حزني لم يكن بقدر حالة الرعب التي استباحتني، وهذا الرعب هو بالضبط الهدف الوحيد والأقصى للإرهاب الديماغوجي المتطرف، وقد تحقق هذا ذلك اليوم لحظة سماعي الخبر الصاعق.

كنت قبل عملية الاغتيال البشع للراحل حتر، قد كتبت مقالا في موقع أردني محلي واسع الانتشار، دافعت فيه عن حق ناهض في حرية التعبير، وانتقدت كل ما تعرض له من "إرهاب رسمي" مارسته أجهزة الدولة الرسمية وقد فتحت الباب بمنهجية خبيثة ومتعمدة للتحريض على الرجل وقد تم تحويله للمحاكمة بتهمة إثارة الفتنة بأمر من رئيس الوزراء "هاني الملقي" وقد أوعز لموظف داخلية برتبة محافظ بتعليمات توقيف ناهض!!

قبل الاغتيال كتبت وتم النشر وكنت أقرأ التعليقات التي تجاوزت آلافا على وسائل التواصل الاجتماعي، وأرعبني حجم الحالة التكفيرية المفضية بالضرورة وحسب الشرع إلى هدر الدم، والتي واجهت الراحل ناهض حتر، وكل من كتب ولو بإشارة دفاعا عن حريته.

وتم اغتيال ناهض بتلك الموجة التكفيرية التي كانت برعاية ضمنية من الحكومة ورئيسها!!

بعد الاغتيال، كنت ضيفا متحدثا على شاشات فضائية واتهمت أجهزة الدولة بالتواطؤ الضمني في اغتيال ناهض، وتوريط رأس الدولة مع الدولة الأردنية معا ببصمة دموية غير مسبوقة في التاريخ السياسي للأردن، من خلال ضعف وترهل أمني وسياسي وإداري لم يحمل موجة التطرف التي تعصف بالمجتمع الأردني على محمل الجد.

في تلك الأجواء، بعد الاغتيال مباشرة، كانت حالة الإرهاب الديماغوجي تتسع، إلى درجة اني تلقيت رسائل إلكترونية تهددني شخصيا، و تتمنى لي "جهنم" ألتحق بها مع الراحل حسب أغلب ما تلقيته من رسائل.

واليوم، بعد عام من ذلك الاغتيال البشع، تلك الحادثة المفصلية في التاريخ السياسي الأردني الحديث، أتابع المواقع الأردنية على وسائل التواصل الاجتماعي وكأن شيئا لم يتغير، لم تشفع للراحل شجاعته الاستثنائية في مواجهة موت مأساوي على يد قاتل جبان، ولا تدبر أحد أو أعاد قراءة ناهض من جديد و قد انتشرت أدبياته وكتاباته أكثر وأكثر في كل مكان، ولا تزال حكاية قاتل الراحل المصري الكبير فرج فودة تجد مكانها كل يوم وكل ساعة في العالم العربي حين سألوا قاتله المجرم إن كان قرأ شيئا مما كتب فودة لنكتشف أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب كما قيل، لكن قاتل ناهض حتر (الذي أعدم بزمن قياسي أمام وجبات إعدام مؤجلة في السجون الأردنية لسنوات)، لم يكن أميا، بل كان موظفا في وزارة التربية والتعليم، وإمام جامع، ومطلوبا بقيود أمنية كونه معروفا بتشدده الديني وسيرته الشخصية الداعشية!! لقد كان المجرم مسدسا بحد ذاته، جاهزا للإطلاق، والغموض دوما سيكون في من قرر ضغط الزناد!

(.. ولا يزال يحضرني مشهد حضور الملك لبيت عزاء الراحل ناهض حتر وقد اصطحب معه رئيس حكومته السيد هاني الملقي، وهو المحرض الرئيس على ناهض فعليا، ولا أزال استحضر بيان أهل الراحل وقد طالبوا الملك في لقائهم به، بمحاسبة الملقي وتحميلهم له ولحكومته مسؤولية اغتيال ناهض، لكن ها هي الذكرى الأولى تمر والرئيس الملقي لا يزال هو الرئيس، وحكومته بأجهزتها السياسية والأمنية لا تزال تطارد ناهض حتر حتى اليوم في تأبينه!!).

وللتذكير.. فكل قضية ناهض التي حرض فيها رئيس وزراء المملكة الأردنية الهاشمية بتعليماته العرفية على الراحل حتر، أنه أعاد نشر رسم كاريكاتوري لرسام مغربي على صفحته الفيسبوكية، رسم عادي جدا كنت سأمر عليه مرورا عابرا بلا أدنى اهتمام وقد تهكم فيه الرسام على إله التطرف لا غير، وهو رسم أعادت نشره جريدة إسلامية في الأردن، وأعاد نشره بذات الطريقة وزير أردني سابق من رموز العمل الإسلامي ويحمل لقب سماحة الشيخ، لكن التصيد لناهض كان سهلا هذه المرة – رغم اعتذاره ومسحه الإدراج عن صفحته - فالرجل مسيحي، وتلك ثغرة سهلة جدا للتجييش عليه والتحريض على شخصه، في عالم عربي مشحون بالديماغوجيا الدينية ومعبأ بفتاوى ابن تيمية القاتلة و"المقدسة" طبعا باسم الله.

تلك الجيوش الإلكترونية التي تراها خلف الشاشة أشباحا، لا تعرف متى ينقض أحدها عليك في لحظة غضب، أو تحريض على الغضب لتطعنك بسكين أو تطلق عليك رصاصة مسدس وتصفيك بأي طريقة قربانا لآلهتها وجنتها الموعودة.

--

لكن..

مقابل تلك الجيوش الديماغوجية المجنونة والمهووسة بالوصول إلى جنة الله بفتوى مقدسة ترخص لهم قتل البشر، هناك أيضا جيوش تتوهم التنوير، بحثت في جريمة اغتيال ناهض حتر عن "قميص دم عثمان" ليغيب الوعي مرة أخرى في لوثة الدم.

وتلك أيضا مشكلة تتعلق بحقبة ما بعد تفكك اليسار العربي، وهوس ورثة الوهم اليوتوبي بحركات الثورات اليسارية في القرن الماضي بكل ما يتعلق بتلك المخلفات دون الاستفادة من ثقافة يسارية رصينة تركتها لنا تلك المرحلة، أهم ما فيها كان القراءة والاستزادة بالقراءة دوما.

على وسائل التواصل الاجتماعي في الأردن ( ويمكن سحب ذلك عربيا بتصرف في التفاصيل) فأنت امام غالبية ديماغوجية تتبنى فكر التطرف الإسلامي (حتى لو لم تكن ملتزمة دينيا) أو تكون أمام جيوش إلكترونية مغرمة بالتخوين و"دق الخشوم" تثق برؤى سامية لا يمكن رؤيتها أمام واقع يومي رديء جدا، وهؤلاء تجدهم أيضا في خانة المتطرفين من بدون منطق يفسر ذلك!

أو أنت أمام مدعين ليسار باهت أو حداثة ما بعد الحداثة، مغرمين لا يزالون بتشي غيفارا ويعشقون اقتباسات ماوتسي تونغ، ويمسخون عبقرية زياد الرحباني بتقليد تواقيعه النصية بشكل مشوه..

وهؤلاء تحديدا كانوا أيضا مرعبين إلى حد الإقصاء، وعلى ذات مبدأ "إن لم تكن معنا فأنت من الدواعش"، ودخلنا في مرحلة "الفسطاطين" من جديد، لأواجه على ذات وسائل التواصل الاجتماعي رسائل قاسية تصل إلى التقريع والشتم، لأني أشرت – وكانت إشارة على خجل بالمناسبة- أني لم أكن أتفق مع الكاتب الراحل في قضايا مفصلية عديدة، و هي قضايا إما سياسية إقليمية (مثل قضية سورية) أو قضايا محلية مثل مفهوم المواطنة.

في المحصلة، وأمام ذكرى اغتيال ناهض في عامها الأول، نقول : نعم، فقدنا رجلا مفكرا جدليا بأفكاره، لكنه كان حاسما ومبدئيا وخصما شرسا في المقارعة السياسية، ورغم شراسته وحدته كان بلا شك أكثر من عرفت في حياتي قدرة على صياغة المقال والفكرة برشاقة لا يمكن مضاهاتها، ورقما صعبا في الحياة السياسية والإعلامية العربية لا الأردنية وحسب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG