Accessibility links

القضية الكردية-العراقية من خلال أربعة كتب (1-4)


كتاب "مأساة بارزان المظلومة"

بقلم نبراس الكاظمي/

1ـ كتاب مأساة بارزان المظلومة للمؤلف معروف جياووك

أول ما استوقفني في هذا الكتاب الصادر عن المطبعة العربية بغداد 1954، هو عنوانه، ثم تاريخ ومكان النشر. فالكاتب يتطرق إلى مسألة حساسة، ولكن يبدو أن هناك هامشا كافيا من اللين السياسي في العهد الملكي كان يسمح بتداول مسألة كهذه في السجال العام. الكتاب جاء مكملا لسلسلة من المقالات كان الكاتب قد نشرها في الجرائد العراقية، أما توقيته فجاء متزامنا مع اقتراب الحكومة العراقية من البت في شأن البارزانيين ومصيرهم بعد ما يقارب ربع قرن منذ بداية مناوشاتهم مع الدولة في عام 1931.

ففي سنة 1954 كان البارزانيون مكسورين ما بين المنافي القريبة في جنوب العراق، ومنافي الاتحاد السوفيتي، وكان معروف جياووك، المؤلف، يسعى إلى استعطاف الدولة على حالهم لإعادتهم إلى مناطق سكناهم في ربوع منطقة بارزان بعد مرور عقد من الزمن تقريبا منذ آخر منازلاتهم الكبيرة مع الدولة، أي الأحداث التي سبقت خروج إحدى عشائر "قوم بارزان" برجالهم ونسائهم وأطفالهم ومسنيهم (البيروزيين) إلى إيران عام 1945 والتحاقهم بجمهورية مهاباد الكردية هناك، ومن ثم انهيارها وعودة غالبيتهم إلى العراق، في حين شق آخرون طريقهم سائرين على الأقدام تحت وابل الرصاص الإيراني والعراقي والتركي في رحلة الـ 250 ميلا إلى حدود الاتحاد السوفيتي مع إيران، وكان تعداد هؤلاء 500 مقاتل بقيادة ملا مصطفى البارزاني، ليطلبوا اللجوء تحت ظلال حكم جوزيف ستالين.

أما الأمر الثاني الذي استوقفني هو سيرة المؤلف، وشخصيته. ولد المؤلف في أحد أزقة بغداد سنة 1885، لعائلة كانت تنحدر من قرية ليست بعيدة عن بارزان. وكان والده موظفا بسيطا لدى السلطة العثمانية، وكما كان معتادا آنذاك، تمكن الوالد من إرسال ابنه إلى الأستانة كي يتابع مهنة الأسرة في خدمة السلطة المركزية من خلال دراسة الحقوق. ولكن تسنى للطالب معروف جياووك الاطلاع على الأفكار التي كانت تعصف بإسطنبول آنذاك والسجالات السياسية المنبثقة عنها، والرامية إلى إصلاح حال دولة الإسلام مقابل "تكالب" الغرب، أو هكذا كان يراها أغلب القوم. وربما أثرت هويته القومية في عدم التحاقه بالركب الأعظم ذي اليمين القومي التركي والمتمثل بأنصار ما سيعرف لاحقا بحزب الاتحاد والترقي، فمال جياووك إلى الليبرالية الإسلامية المتفتحة التي كان ينادي بها الأمير صباح الدين، سليل أحد السلاطين من طرف والدته، وابن البلاط الذي أدار جبهة المعارضة من المنفى الأوروبي.

شاءت الظروف السياسية أن تجعل جياووك من المطاردين السياسيين، فعاد إلى بغداد، وهنا بدأت صفاته الإشكالية في الظهور، والتي يمكنا وصفها بالحادة والعصامية، بل المتطرفة أيضا. ولا أدري ما هي الظروف التي دفعته إلى "الجهاد" في البصرة عند قدوم الإنكليز في الحرب العالمية الأولى، ولكنه وقع أسيرا في المواجهات، وبات منفيا في مستعمرة بورما في جنوب شرق آسيا لحين انتهاء الحرب.

إذن، عدة أمور ساهمت في تكوين شخصية جياووك: الانتماء القومي والفخر به، إطاعة المركز إن كان في إسطنبول أو بغداد، كراهية الإنكليز، والاستشعار بأن الغرب يسعى دائما إلى التآمر على فسطاط الإسلام بمعونة الأقليات المسيحية كالأرمن والنساطرة، كما يدلنا على ذلك الرأي العام السائد في عموم البلاد العثمانية. تقشعر الأبدان للطريقة التي يتناول فيها جياووك مسألة المسيحيين، والتي تمتاز بالطائفية السمجاء الحقود، بل تصل به حد التشفي جراء ما حصل من مجازر ضدهم أثناء حرب إبادة الأرمن، والغدر بمار شمعون، وحتى في سنة 1933 عند حصول مجزرة سميل على يد الجيش العراقي. ولكن يبدو أن وجهة نظره والأوصاف التي ساقها كانت كلاهما تعكسان الرأي العام آنذاك بصورة دقيقة.

وعليه، فإننا نرى القضية البارزانية، أو أول تجلياتها، والتي لا يزال صداها متصدرا لنشرات الأخبار، من خلال عينيه، ليحيل مآلاتها إلى مؤامرة بريطانية لاستعداء البارزانيين مع الدولة كي يتم إخراجهم من أراضيهم وإسكان حلفاء الإنكليز من النساطرة الآثوريين مكانهم في الخط البياني المعروف بـ "خط بروكسل" والذي يمتد من زاخو إلى رواندوز، محاذيا للحدود العراقية - التركية، مارا بقرى بارزان وسريشمة، والأخيرة هي موطن أجداد المؤلف. وكان يعتقد أن "بريطانيا تعهدت سرا للآثوريين بتشكيل دولة لهم في كردستان العراقية نظير الدولة الإسرائيلية في فلسطين".

هذا من جانب، أما من جانب آخر نجد بداية شعور الكرد بأن العالم الخارجي قد غدر بهم، وبأن قبيل أول الصدامات ما بين البارزانيين والحكومة في سنة 1931، وأثناء المفاوضات التي كانت تجري ما بين الجانب العراقي وجانب سلطة الانتداب حول الاستقلال، استشعر العنصر الكردي في العراق إجمالا أنه لن يحصل على ما وُعد به من قبل عصبة الأمم، والتي كانت قد التزمت بإعطاء الكرد "إدارة ممتازة" (أي حكما ذاتيا) عند أي تحول في شأن سيادة العراق من الانتداب إلى الاستقلال، أو هكذا كانوا يتصورون، وكان جياووك في طليعة المؤججين لذلك.

أضحكتني هذه الجملة عند مراجعتي للكتاب: "وبما أن الواجب يقضي بإعادة النظام والانتظام ومنع تكرار الإجرام، قرر احتلال المنطقة البارزانية احتلالا عسكريا والقبض على المجرمين وسوقهم إلى العدالة". قيلت هذه الجملة يوم 8 آب/أغسطس 1945 من على الإذاعة الرسمية العراقية لتأتي ضمن قرارات الحكومة في وقتها. ضحكتي كانت سوداوية، لأن بعد مرور 72 سنة لا يزال العراق يراوح في نفس مكانه إن طالعنا البيانات الصادرة والخطاب العام في ما يخص أزمة كركوك الأخيرة. بل إن البلاغ الحكومي أعلاه أكبر سنا من عمر الرئيس مسعود البارزاني. فلا البارزانيين كُسروا، ولا الدولة انتظمت ولا حقوق مواطنيها استوت.

شخصية جياووك المشاكسة جمعت ما بين توليه منصب متصرف (محافظ) أربيل تارة، وتوكله للدفاع عن أحد أشهر "أشقياء" العراق إبراهيم عبدگه (الكردي الفيلي)، تارة أخرى. وحينما كان نائبا عن أربيل في الدورة النيابية التي واكبت حكومة عبد المحسن السعدون، كان إيحاؤه تحت قبة البرلمان بأن السعدون قد خان بلده لصالح الإنكليز لدى تريثه في أمر الاستقلال هي القشة التي دفعت بالأخير إلى الانتحار بعد ساعات من مداخلة جياووك.

لا أدري إن كان جياووك، في تعرجاته وانفعالاته، وتناقضاته قد تناسى موقف السعدون في ما يخص القضية الكردية أثناء انعقاد المجلس التأسيسي العراقي سنة 1924، قبيل انضمام لواء الموصل أصوليا إلى الدولة العراقية؟

هذا ما قاله عبد المحسن بك السعدون حينها: "لا يخفى على رفقائي أعضاء المجلس العالي أن السبب الأكبر الذي أدى إلى سقوط الحكومة العثمانية هو غمط منافع الأمم وحقوق الطوائف التي كانت تستظل بالراية العثمانية، فنحن إذا اتبعنا الطريقة التركية التي كانت تغمط حقوق الأقوام فنكون قد أخطأنا كما أخطأوا فلذا أرى من اللازم والضروري أن نكون أحرارا ونعطي الحرية إلى جميع العناصر ولا نكون حريصين أو بخلاء في إعطاء هذا الحق إلى أهله ولا يخفى أن في العراق عنصرا عظيما وهو العنصر الكردي فاذا لم نعط العنصر الكردي حقه وندع مدارسه تدرس باللغة الكردية فقد تكون النتيجة غير حسنة، نعم أن اللسان العربي مجيد محبوب ولا أعتقد وجود عراقي لا يجتهد أولا ببذل الجهد في سبيل تعلمه ولكن المادة الأصلية على المعنى الواضح تفيدنا سياسياً وترضي جميع إخواننا غير العرب وغير المسلمين فأتمنى من المجلس أن لا يبخل في إعطاء هذا الحق حتى تكون القلوب متحدة ومتفقة ومؤيدة للوحدة العربية وإذا لم نعطهم هذه الحقوق فلا نستطيع الحصول على الوحدة العربية التي نتمناها…"

وهنا نرى التباين ما بين العصامي المتطرف المتسرع، والعصامي المعتدل المتأني. وإن أحسنا الظن بكل الفرقاء في الأزمة الحالية التي يشهدها العراق، فكيف بنا أن نتوقع منهم الحلول والتروي إن لم تستطع قامات كالسعدون وجياووك على التفاهم عند تكوين العراق الوليد؟

توفي جياووك في مطلع سنة 1958، أي أنه لم يشهد نهاية العهد الملكي على يد العسكر. ولم يشهد عودة ملا مصطفى البارزاني منتصرا من منفاه الروسي، ومتحالفا مع الرئيس عبد الكريم قاسم. وبعدها بسنتين، عاد الخلاف، وعادت سحب البارود تنبثق من ثنايا غابات السرو والبلوط في نواحي بارزان. وبعد مرور جيل على صدور كتاب "مأساة بارزان" أقدمت الدولة العراقية في سنة 1983 على قطع نسل أي رجل من "قوم البارزانيين" كان واقعا تحت يدها، وقتلت ما يقارب ستة آلاف منهم في غضون أسابيع، وقطعت حتى الاشجار.

يمكنكم الاطلاع على الكتاب عبر هذا الرابط:

http://www.imarawatijara.com/jiawook_maasat_barzan/

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG