Accessibility links

القضية الكردية-العراقية من خلال أربعة كتب (4-4)


غلاف الكتاب

بقلم نبراس الكاظمي/

تكمن أهمية "ضوء على شمال العراق" للمؤلف نعمان ماهر الكنعاني، في توثيقه لانعطافة مهمة في أسلوب تعامل السلطة المركزية في بغداد مع القضية الكردية، ألا وهي تجنيد العشائر في كردستان العراق ضد النزعة الانفصالية المتمثلة بقيادة ملا مصطفى البارزاني لحزب البارتي. فالكتاب يحتوي على أسماء وصور العشرات ممن سيشكلون اللبنات الأولى لما سيعرف رسميا بـ "الفرسان"، وشعبويا باسم "الجحوش"، والذين سيعدون بعشرات الآلاف من المسلحين وسيلعبون أدوارا مهمة في مراحل لاحقة، منها تمكين القوات الحكومية من تنفيذ عمليات الإبادة الجماعية التي سميت بـ "الأنفال" في نهاية الثمانينيات.

الكاتب نعمان ماهر الكنعاني (1919-2010) كان ضابطا من أهالي سامراء، انصرف في ما بعد إلى الشعر، أما في تلك المراحل المضطربة من الخمسينيات والستينيات، فيفيدنا ابنه غسان بهذه المعلومات: "إن والدي رحمه الله لم يشترك لا في انقلاب 58 ولا انقلاب 63. أما الأول فلأنه كان رهن الإقامة الجبرية بعد انكشاف أمر تآمره سنة 57 فطرد من الجيش وبقي في البيت، ولكنه كان على تواصل مع مجموعته مع المرحوم رفعت الحاج سري (ساكن منطقتنا نجيب باشا أيضاً)، ولكنه أعيد إلى الجيش صبيحة يوم 14 تموز. فهو إذاً من الضباط الأحرار ولكن لم يشترك يوم 14 تموز. وأما 63 فلأنه كان لاجئاً في سورية بعد أن هرب في ربيع 59 بعد فشل انقلاب الشواف، وكان محكوماً بالإعدام غيابياً، ولم يعد إلا في آذار 63". وجاء تعليق الابن في معرض رده عليّ عندما أعدت نشر هذا الكتاب في الإنترنت حيث وصفت خطاب أبيه بأنه "عنصري"، فاضاف: "أعلم أن والدي كان قومي النزعة إلى درجة حادة، إلا أنك لو راجعت الخطاب فإنك لن تجد فيه الخطاب العنصري كما وصفت. بل لعل الأحداث اليوم تؤكد صحة ما ذهب إليه من أن القضية هي قضية زعامات ومصالح وارتباطات خارجية واضحة لم تعد خافية على أحد". وكان آخر منصب تبوأه الكنعاني هو وكيل وزارة الثقافة والإرشاد لحد انقلاب 1968.

ولعلني بالغت في وصف الكاتب بأنه عنصري، ولكنه بالطبع لديه وجهة نظر أحادية حول الشأن الكردي، والمفارقة الكبرى هي أن توصيفاته وتبريراته، بل حتى تحليلاته، وذلك عند نشر الكتاب سنة 1965 أثناء حقبة حكم الرئيس عبد السلام عارف، تشبه إلى حد كبير الخطاب الذي نسمعه اليوم من بغداد، ومن طرف مجموعة كبيرة من الإعلاميين والباحثين المندرجين ضمن الخطاب المركزي، والذين يحاولون إظهار أنفسهم بأنهم أحرص على الشعب الكردي من بعض القيادات التي اختارها هذا الشعب لنفسه، مثل العائلة البارزانية، والتي يرى النعماني بأن ما يحركها هو "حب الزعامة والسيطرة لا أكثر من ذلك".

ويُسهب النعماني في توضيح ما يراه من عدم تمكن الأكراد من تحقيق حلمهم بالاستقلال، فيقول إن الأكراد آنذاك في العراق يتراوح عددهم عند المليون نسمة، وهم خُمس مجموع عدد الأكراد في الشرق الأوسط. وهؤلاء يشكلون فقط 15.5 بالمئة من عدد سكان العراق الإجمالي، وإن مناطقهم لا تتعدى في مساحتها 1/9 من مساحة البلد، وهي تنتج ما يقل عن 5 بالمئة من ثروة العراق إذا ما قيست بالزراعة والثروة الحيوانية. وبموجب هذه الأرقام يتساءل الكنعاني: "وماذا ستكون عليه النتيجة لو اقتصر اقتصاد المنطقة الكردية عليها دون هذا التمازج والتكامل بينها وبين الاقتصاد العام للبلاد"؟ ما معناه ضمنيا إذا ذهب الأكراد إلى الانفصال تحت راية البارزاني، فالجوع سيكون مصيرهم.

وثم يعرج الكنعاني إلى خطاب العقوق ونكران الأكراد للجميل الذي وافتهم به الدولة العراقية، فيقول: "فنشير إلى أن مشاركة الأكراد في تأليف الوزارة لم يكن مهملا في يوم من الأيام، ففي الوزارات الأولى من تاريخ العراق الحديث والتي كان عدد وزرائها لا يتجاوز الثمانية كان الأكراد يشتركون في وزارة أو وزارتين وحيث ازداد عدد الوزارات في العراق ازدادت نسبة مشاركة الأكراد فيها..." ويضيف: "نجد أن قادة الفرق في أغلب الأوقات كانوا من الضباط الأكراد" بل يدعي أن في بعض الأوقات كان عدد المتصرفين (المحافظين) من الأكراد عشرة من مجموع الأربع عشرة متصرفية. ويزيدنا علما بالقول "فقد تجاوزت نسبتهم حسب أدق الإحصاءات التي أظهرتها الجداول الرسمية 23 بالمئة من مجموع وظائف الدولة...أما الموظفين غير الأكراد في المنطقة الكردية لم يتجاوزوا قط نسبة 3 بالمئة". ثم أن الكردية هي لغة التدريس الرسمية وكذلك المرافعة في المحاكم. والأكراد يتمتعون بحق ارتداء أزيائهم القومية، وحرية الإقامة في أي مكان من العراق. كما يجرد لنا الكنعاني المشاريع المنجزة والأموال التي صرفتها الدولة في المناطق الكردية، ويلحظ فيها حجم التعويضات التي دفعتها الدولة جراء الدمار الذي كان يواكب "حركات الشمال" العسكرية بالضد من الانفصاليين. وهذه امتيازات "لا يجدها الكردي في البلدان الأخرى التي سكنها..." موضحا أن وضع الأكراد في تركيا وإيران مغاير جدا، وأسوء بكثير. "فإذا كان ما وصلت إليه المواطنة الكردية في قطر كالعراق غير مرضية للكردي هنا، فكيف ستكون معالجة وضع الكردي الآخر من الأقطار الأخرى التي لا تشارك العراق وجهة نظره في كيفية معالجة المواطنة الكردية؟" ويستنتج من ذلك الكنعاني بأن تحقيق المشروع الكردي في الاستقلال أمر مستحيل نظرا للتوازنات الإقليمية.

ويبدو أن مدعاة تأليف هذا الكتاب لم تكن فقط لتوضيح وجهة نظر الحكومة حين معاودة حربها مع البارزاني، بل يظهر جليا مدى تحسس السلطة مما كتبه مراسلون أجانب متعاطفون مع الثورة الكردية في تلك الفترة، ولهذا كانت تسعى إلى الرد عليهم، والحيلولة دون "تدويل" القضية الكردية من خلال استعطاف الرأي العام العالمي في سبيل تحقيق مطاليب الكرد الشرعية بالاستقلال. والسلطة بقيت ترى "يد الأجنبي" في تحركات الأكراد، فيشير الكنعاني إلى تصريح الناطق الرسمي باسم البارزاني، جلال الطالباني في باريس حيث قال: "إن من واجبي أن أوضح أن الأكراد هم أصحاب آبار البترول الموجودة في أرجاء كركوك وفي عين زاله وفي خانقين... وأننا على الرغم من كوننا ملاك هذه الآبار فإن اعداءنا يقبضون مواردها"، ويفسرها الكنعاني على أنها إشارة بأن الأكراد يفكرون بمنطق قطاع الطرق والعصاة، الذين يريدون استحصال "الخاوة" من الشركات النفطية الأجنبية كي تدفع لهم وليس إلى جيب الحكومة المركزية. ويسرد لنا الكنعاني 25 حادثا من أعمال التسليب والعصاة التي قامت بها مجاميع البارزاني حسب ادعائه ما بين شهر آيار 1964 وشهر يناير 1965.

وذهبت الحكومة آنذاك إلى توجه جديد وهو الاعتماد على العشائر الناقمة على البارزانيين، وبعضها ناقم عليهم منذ قرن من الزمن، لمحاربة البارزاني. فيقول الكنعاني "ففي شمال العراق قبائل كردية وزعماء ورجال دين لهم مكانتهم التي تفوق مكانة البرزاني سواء من حيث التفاف المواطنين من حولهم أو إيمانهم بطبيعة الواقع الذي يعيشونه مع العرب في العراق في ظل حكومته التي بالغت في إكرام الأكراد طوال نصف القرن الماضي..." فأصبح اعتماد الدولة على هؤلاء الفرسان –الحجوش - كحل مرتجل وسريع في الحد من تمدد الثورة الكردية. ولكن ما حصل فعليا هو أن الدولة أصبحت طرفا في خلافات عشائرية محلية، ولم يتبلور انحياز هذه العشائر إلى سلطة المركز إلى تغيير جذري في فهم المواطن الكردي لماهية دوره ضمن الرابطة العراقية، بل ما كان يراه هو امتطاء الدولة لأبناء جلدته في حربها ضد تطلعات آخرين من نفس القومية. وتوسعت دائرة الاعتماد هذه أيضا إلى تسليح عشائر عربية، وبالأخص العبيد في منطقة حمرين والحويجة، في مواجهة الأكراد.

وهنا علينا العودة إلى ما حذر منه عبد المحسن السعدون عند مداخلته في المجلس التأسيسي سنة 1925 حول القضية الكردية، حينما قال إن أحد أسباب انهيار الدولة العثمانية كان يكمن في فشلها عند معالجة تطلعات القوميات والمكونات التي تستظل بها إلا من خلال العنف والقسوة. وأصاب السعدون في توقعه بأن هذا الصنف من الحلول ليس ناجعا، لأن فكرة الفرسان، بل حتى تسميتها، مستوحاة كليا من تشكيلات "الفرسان الحميدية" (الخيالة الأكراد) التي شكلها السلطان عبد الحميد الثاني سندا لحكمه سنة 1891. وهي مستوحاة أصلا من تشكيلات القوازق في روسيا القيصرية، والتي شاهدها صاحب فكرة "الفرسان الحميدية"، المشير أحمد شاكر باشا يوزگـاتلي چـبان أوغلو (1838-1899)، حينما كان سفيرا في روسيا لمدة إحدى عشرة سنة قبيل تبوئه لمنصب معاون السلطان في سنة 1890. وكان شاكر باشا هذا من دعاة الإصلاح (سبق وأن عمل نائبا في بغداد للوالي مدحت باشا) وكان يرى أن تشكيلات الفرسان ستحل عدة مشاكل مستعصية في "الولايات الستة" الأناضولية، ومنها درأ خطر التمدد الروسي، وإخضاع الأرمن، وتقوية أواصر العشائر الكردية مع السلطة المركزية خصوصا بعد فشل النموذج السابق بالاعتماد على أصحاب الطرق الصوفية كالشيخ عبيد الله، من شيوخ النقشبندية الخالدية في قرية نهري، والذي أخذ زمام الأمور بيده في سنة 1880 وغزا إيران واستضعف الأرمن وتحدى الباب العالي. وفي بعض الجبهات، كان من مسؤولية الخيالة الحميدية، وخصوصا تلك التي بإمرة إبراهيم باشا رئيس عشائر الملي الكردية، ضد تمدد عشائر عنزة وشمر إلى باقي مناطق جزيرة الفرات.

وعهد التشكيل الجديد إلى إدارة المشير زكي باشا (1830-1924) قائد الجيش العثماني الرابع المتمركز آنذاك في مدينة أرزنجان، والذي بقي في منصبه هذا لمدة 21 عاما (... وفي مرحلة لاحقة، أي في سنة 1912، تولى إدارة ولاية بغداد لمدة سبعة أشهر). ولكن سرعان ما واجه المشروع عدة مشاكل، منها الفساد (تقارير القناصل الأوروبيين تقول بأن زكي باشا اغتنى بشكل فاحش جراء سوء إدارته للأموال المخصصة للعشائر)، وكذلك "الفضائيين" أي الجنود الذين لا وجود حقيقي لهم ولكنهم أدرجوا ضمن قوائم الرواتب، وأيضا ضعف الأداء العسكري. ولكن الإشكال الأكبر هو تمادي شيوخ العشائر ضد الأرمن، وضد عشائر كردية وعلوية غير منضوية تحت الفرسان، وافتعال الفضائع ضدهم، والاستحواذ على أراضيهم وأملاكهم. واستمر الحال حتى بعد إقصاء السلطان عبد الحميد من قبل جماعة تركيا الفتاة، وأعيد تسمية هذه التشكيلات باسم "الخيالة العشائرية الخفيفة"، وكان لديهم دور كبير في تنفيذ المجازر التي ارتكبتها السلطات العثمانية ضد الأرمن والأقليات المسيحية الأخرى أثناء الحرب العالمية الأولى. أي أن ما حصل فعليا لا يعد إصلاحا كما أراده شاكر باشا، ولا حتى عزز من الاستقرار، وإنما ساهمت هذه التشكيلات بتغيير معادلات وتوازنات ديموغرافية كبيرة على مساحات حيوية من الشرق الأوسط طمعا منها بمصالح محلية صغيرة وحسما لنزاعات قديمة مع الجار "المخالف"، أفضى قسم منها إلى تغيير الموازين السكانية في شمال سوريا حاليا، وزرع ألغاما في وجدان الشعوب باتت تتفجر لعقود متتالية من الزمن.

وهذا النموذج، أي تجنيد العشائر لتحقيق أهداف الاستقرار والأمن في مناطق متعددة من الشرق الأوسط، استخدمه الإنكليز أيضا (مثلا، اعتمادهم على أفواج الليفي الآشوري)، وعادت إليه تركيا سنة 1984 عند تشكيلها لـ "حراس القرى" في مواجهة تنظيم البي كي كي الكردي، وحتى أننا شهدناه مؤخرا حينما شكل الأمريكان الصحوات في الأنبار وغيرها. ومجمل هذه التجارب تشير إلى أن النموذج غير مفيد بل قد يرتد على القائمين عليه. ولكن ما يميز حال الفرسان الحميدية، ونظيرها مشروع "الفرسان - الجحوش" الذي كان يراه الكنعاني على أنه حل مفيد، هو انتهاء الأمر إلى اشتراك عناصرها في أبشع جريمتي إبادة جماعية "جنوسايد" في الشرق الأوسط في القرن العشرين: "إبادة الأرمن" وعمليات الأنفال.

لا يزال هذا الجرح غائرا ما بين الأكراد إلى يومنا هذا، حيث لم تحاسب السلطات والأحزاب الكردية هؤلاء الفرسان - الحجوش على ماضيهم في خدمة الاستبداد، وإيذاء بني جلدتهم. ولكن في المقابل، لو لم تقم هذه التشكيلات بقلب الطاولة على نظام صدام حسين في انتفاضة عام 1991، وانحيازها إلى القضية الكردية، ولو بعد حين، ولو بعد سكب الكثير من الدماء، لما استطاع الأكراد أن يحققوا قسطا من الإدارة الذاتية منذ ذلك التاريخ.

ولأن التاريخ يعيد نفسه بشكل رتيب في شأن القضية الكردية -العراقية، لا بد أننا سنشهد محاولة جديدة من جانب السلطة المركزية في بغداد لتقويض سلطة البارزاني وغيره من "الانفصاليين" من خلال إنشاء سرايا كردية عسكرية مناصرة لها من بعد عودة دورات الزمن إلى عهده العنيف، وسنطالع كتابات معلّبة وجاهزة من نفس وتيرة وتعليلات الكنعاني لما فعلته السلطة المركزية عند معالجتها لهذا الملف قبيل حوالي نصف قرن.

للاطلاع على الكتاب اتبع الرابط:

http://www.imarawatijara.com/numan_kanaani_kurds_1965/

ـــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG