Accessibility links

وفاء الكويت وجحود عراقيين


إسقاط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس في التاسع من نيسان/أبريل 2003

بقلم حسين عبد الحسين/

استقبل الرئيس السابق جورج بوش الأب، وزوجته باربرا، ووزير خارجيته جيمس بيكر، وفدا كويتيا برئاسة مرزوق الغانم رئيس مجلس الأمة الكويتي، الذي حمل رسالة من أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد إلى بوش.

وقصة الزيارة هذه مثيرة للاهتمام، وتشي بوفاء كويتي وحرص على صداقة مع الولايات المتحدة قلّ نظيرهما. وفي التفاصيل أن بوش، البالغ من العمر 93 عاما، دخل المستشفى لعارض صحي، ما لبث أن تعافى منه. الكويتيون تابعوا أخبار بوش، وأبرقوا إليه للتهنئة بالسلامة، فما كان من الرئيس الحادي والأربعين للولايات المتحدة إلا أن وجّه لهم دعوة لزيارته في ولاية مين.

لبى الكويتيون الزيارة. وتحدث الغانم عن وفاء الكويت لأصدقائها، وخصوصا الولايات المتحدة، بعد 27 عاما على قيادة واشنطن — أثناء رئاسة بوش الأب — لتحالف دولي أخرج قوات الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، التي كانت قد غزت الكويت واحتلتها.

والكويت ليست وحيدة في وفائها بين الدول. كوسوفو، مثلا، ماتزال ترفع صور الرؤساء الأميركيين المتعاقبين في الشوارع، وهي أطلقت اسم الرئيس السابق بيل كلينتون، الذي قاد تحالفا دوليا لتحرير كوسوفو من القبضة الدموية لجيرانها، على عدد من الشوارع والساحات العامة.

لكن الكويت وكوسوفو هي من الدول النادرة التي تحفظ الجميل الأميركي الذي تنكره شعوب وحكومات أخرى. العراق، مثلا، من أكثر الدولة التي استفادت من القوة العسكرية والمالية الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فصدام حسين حكم العراقيين بقبضة حديدية جعلته في مصاف أعتى طغاة العالم وأكثرهم بطشا ودموية. ثم جاءت القوة الأميركية وأطاحت بصدام، وعملت على إلغاء ديونه التي راكمها على العراقيين، وقدمت لبغداد أموالا طائلة لإعادة الإعمار ولإعادة تشكيل الدولة وقواتها الأمنية.

ثم بعد الحرب الأهلية التي رافقت عملية التغيير الأميركية في بغداد، لم يتراجع الرئيس السابق جورج بوش الابن ويترك العراقيين يغرقون في دمائهم، بل رفع من عديد القوات الاميركية بهدف تثبيت السلام في العراق، ونجح في ذلك إلى حد بعيد، وسلّمت الولايات المتحدة الحكومة العراقية المسؤولية الأمنية والسيادة، وخرجت، فعاد العراقيون إلى عاداتهم الثأرية، وتفجّرت شلالات الدماء مجددا.

وتفريط العراقيين بالإنجاز الأميركي، الذي أدى إلى استقرار البلاد، هو مشكلة العراقيين لا الأميركيين. على أن المشكلة الأكبر تكمن في جحود عدد كبير من العراقيين، وخصوصا ممن وصلوا إلى الحكم في بغداد على متن الدبابات الأميركية، بالدماء الأميركية والتكاليف التي تكبدها الأميركيون من أجل تحرير العراقيين من قبضة صدام الدموية، ومن أجل مساعدتهم في إقامة ديموقراطية تليق بهم.

من أبرز الجاحدين العراقيين نائب الرئيس الحالي ورئيس الحكومة السابق نوري المالكي، الذي تبوأ منصبه تحت حماية أمنية أميركية، والذي ساعده الأميركيون في بناء قوات أمنية حولها إلى ميليشيا خاصة موالية له. أميركا أيضا أكرمت المالكي بدعوته إلى واشنطن مرارا، وفي العام 2006 منحته شرف إلقاء خطاب أمام الكونغرس مجتمعا بغرفتيه، وهو من الخطوات الرمزية التاريخية التي تخص بها واشنطن أقرب أصدقائها وحلفائها.

لكن على الرغم من كل الثقة الأميركية بالمالكي والصداقة التي أقامتها واشنطن معه ومع حكومته، لم يتأخر رئيس الحكومة السابق في الانقلاب على هذه الصداقة، وهو اتهم أميركا، في مقابلة تلفزيونية في شهر أيار/ مايو الماضي بإنشاء تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) وتدربيه وتمويله.

وادّعى المالكي أن الرئيس السابق باراك "أوباما هو من صمم سقوط الموصل بيد التنظيم من خلال اجتماعات في إقليم كردستان حضرها ضباط أميركيون".

هذه التصريحات صدرت عن عراقي في موقع مسؤولية، كان يعرف ما يجري خلف الكواليس، ويعرف موقف الولايات المتحدة، بغض النظر عن رؤسائها، من التطرف الإسلامي. مع ذلك خرج بتلفيقات من هذا النوع.

صدق ابن الكوفة أبو الطيب المتنبي، عندما قال "إذا أنت أكرمت الكريم ملكته، وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا". في حالة الشرق الأوسط والعالم، لا يصعب على الأميركيين معرفة الكريم من اللئيم.

ـــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG