Accessibility links

بقلم مالك العثامنة/

أثناء مقابلته المباشرة على محطته التلفزيونية الخاصة، والتي جرى التنسيق لبثها بالتزامن على قنوات أخرى، كان سعد الحريري يحاول القفز بتثاقل وتعب واضحين أمام حقول ألغام الأسئلة التي تلقيها الإعلامية اللبنانية بولا يعقوبيان، وهي تحديدا كانت اختيارا شخصيا من الشيخ سعد وقد اتصل بها هاتفيا بعد أيام من الصمت الذيترافق بمحيط منتحليلات وتكهنات و تسريبات أغلبها فقاعات سياسية معلقة على أمنيات إما ساذجة أو غير بريئة.

المقابلة ذاتها لم تخل من بعض التشويق حين ظهر خلف يعقوبيان فجأة شخص يبدو أنه من طاقم الحريري (لا أحد يجزم بذلك!) يحمل ورقة ولقطة خاطفة للحريري يشيح بيده للرجل الغامض بأن يبتعد، أعقب ذلك محاولتين مرتبكتين من الحريري نفسه ثم يعقوبيان التي كانت أكثر هدوءا بعد هذا المشهد السريع لتفسير ظهور الشبح المجهول لتنطلق ماكينة التكهنات والتوقعات والتفسيرات داخل الحدث بعد أن كانت تحوم حوله.

وعلى كل حساسية الموقف المتأزم منذ لحظته الأولى في الرابع من نوفمبر، إلا أن روح السخرية أخذت مساحتها من المشهد المأزوم كله كما عكست تلك السخرية وقائع ما يشعر به الناس كحقائق لا يبوح بها الرسميون (من أي طرف) بصراحة، حيث كانت وسائل التواصل الاجتماعي مفتوحة مباشرة على المشهد في كل مكان، وكنت معنيا جدا بقراءة ما تيسر لي قدر الإمكان من تعليقات الناس حسب جغرافيتهم لأحاول قياس نبض الشارع في الحكاية كلها ليستوقفني تعليق طريف ومكثف الدلالات يخاطب فيه صاحبه الشيخ سعد مباشرة وهو يتحدث على الهواء ويطلب منه أن يسعل مرتين أثناء الحديث لو كان مختطفا وثلاث مرات لو كان غير مختطف!!

إن هذا التعليق المعطوف على شعور جماهيري عارم وكبير عَكَس الشعور العام بأن المشهد كله برمته غير طبيعي، وخارج سياق المنطق مهما بلغت التبريرات الرسمية أو التسريبات غير الرسمية مداها في محاولة تطبيع المشهد، فنحن فعلا أمام ظاهرة غير مسبوقة، جاء سياق تفاصيلها المتتابعة ليعطي زخما يفضي إلى أن الرجل على أقل تقدير قد تم احتجاز إرادته السياسية إن لم يكن محتجزا هو نفسه، وهي مفارقة بحجم الشرق الأوسط نفسه لرجل ورث الثروة والسياسة والطائفة والتيار والمنصب من أبيه الذي لا تزال المحكمة الدولية تحقق في ملابسات اغتياله عام 2005.

إن هواية غريبة مثل ممارسة الغطس لإطعام أسماك القرش لم تمنع هاويها المحترف فيها أن يظهر مرتبكا جدا في تلك المقابلة، ليؤكد أن المشهد السياسي في الشرق الأوسط وصل الى مراحل غير مسبوقة في العلاقات الدولية، مع إعادة بناء المسرح التقليدي في لبنان ليكون مسرحا أو سيركاً للحروب بالوكالة، وهذه المرة بين إيران والسعودية.

إيران التي استثمرت عبر سنوات طويلة بالطائفة الشيعية في لبنان، وتوجت هذا الاستثمار الطويل بحزب الله اللاعب الرئيس في السياسة اللبنانية لكن الوحيد بمليشيا مسلحة تضاهي قوته قوة الجيوش التقليدية و تتفوق على الجيش اللبناني نفسه، ليكون فعليا و بدون مواربة "دولة داخل دولة"، وفي الطرف المقابل، السعودية التي تستثمر في الطائفة السنية اللبنانية وتجليها الأوضح تيار المستقبل، هي ذاتها السعودية اليوم التي بدأت تنتفض على تاريخ مثقل بالسلفية والاقتصاد البترولي المترف فتحاول - عبر ولي عهدها الذي لا يمكن تفسير شخصيته بوضوح حاسم ( متهور أم طموح) - أن تخلق دولة جديدة داخل الدولة الموجودة بتوالدية تشبه تمزيق الشرنقة.

المفارقات لا تنتهي في المشهد، ما قبله وأثناءه وبعده، والمفارقات هي دوما سيدة الموقف في اللعبة السياسية اللبنانية، فأمام انحياز "سني" واضح يقوده تيار المستقبل نحو السعودية، وانحياز "شيعي" واضح يقوده حزب الله نحو إيران يقف باقي اللبنانيون في الوسط "اللبناني" بحثا عن حليف متزن يوقف كل هذا الجنون في منطقة عصف بها الجنون وفقدت كل اتزان لكن بيضة قبان كل التوازنات بلا شك كانت تلك الحركة الالتفافية الموفقة التي انتهجها رئيس الجمهورية ميشيل عون، وقد أدرك بخبرته المتخمة بالتجارب القاسية والمواجهات الدامية أن المواجهة المعاكسة في تلك اللحظة التاريخية ضرب من المغامرات العبثية، فملأ بجدارة موقعه كرئيس واحد لجمهورية واحدة وأعلن أن كل كلام يمكن أن يقال يجب أن يقال حال عودة ابن لبنان سعد الحريري إلى وطنه، فعلق الحالة على مشجب وطني جمع حوله وحول رئيس حكومته كل ذلك التعاطف الذي سبق المقابلة المرتبكة، بل إن الرئيس عون لم يتوان قبل المقابلة بساعات أن يعلن أن أي حديث للحريري خارج لبنان لا يعول عليه، فأجهض كرئيس دستوري للجمهورية اللبنانية أي مؤامرة مفترضة أو وصاية سياسية محتملة قد تحملها المقابلة.

لكن وفي سياق المفارقات، فإن تلك المفارقات في عصر الفضائيات ينقلها الإعلام بلا رتوش ولا تجميل، فحين يهاجم أحد مناصري حزب الله وزيرا سعوديا على الهواء بأن السعودية هي الدولة الوحيدة في العالم التي تطبق الإعدام بقطع الرؤوس (وهذا صحيح بلا شك)، فإن الوزير السعودي المشغول جدا بتجريح اللبنانيين بعجرفة وفوقية، لم يستطع الرد بالمثل مثلا أن إيران أيضا لا تزال تقوم بممارسة الجلد كعقوبة "شرعية" وتطبق الإعدام بالرجم "مثل السعودية" وبالتعليق شنقا على رافعات البناء.

وفي الواقع السياسي، فإن المفارقات تبلغ مداها حين يتم قياس هذا الواقع بالتاريخ السياسي "الحديث" للبنان، فنحن اليوم أمام لبناني سني يلجأ للسعودية كمحور اعتدال(!!) ولبناني شيعي مدعوم من إيران كمحور مقاومة (!!) لننتهي كمتابعين ومراقبين إلى مسيحي ماروني مثل سمير جعجع (وتياره: القوات اللبنانية) لا يطلب دعما مباشرا لا من هنا ولا من هناك (مع توظيف الموقف في مؤازرة للحريري و ضد حزب الله وإيران والنظام السوري دون التوغل المحرج في تحالف استراتيجي مع السعودية رغم تواصله معها)، وقد وسمه التاريخ السياسي فيما سبق بالعمالة لإسرائيل، ويتسيد مشهد اليوم كوطني لبناني منقطع الصلات بالخارج.

وتناقضات المشهد السياسي الراهن بكل تفاصيله يبدو أنها ترصف له - في براغماتية يحسن جعجع إدارتها بمهارة - طريق الرئاسة إلى قصر بعبدا في المدى القريب.

التناقضات كانت متصاعدة قبل المقابلة في المشهد وقد انعكست ارتباكا في كل العلاقات الإقليمية والدولية، إلى أن تجلت بارتباك واضح في إجابات السيدة هيذر نويرت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية في واشنطن، وقد بدأت بالتعثر في إجابات ملتبسة مرتبكة، أوحت بوجود قناعة باحتجاز رئيس وزراء لبنان في السعودية مع حرج واضح باعتقادي أن تتبنى الخارجية الأميركية هذا التصور فتشترك مع حزب الله برؤية مشتركة للموقف ولو لمرة واحدة في التاريخ.

--

المقارنات جزء من المفارقات أيضا..

والمقارنات ظالمة غالبا، لكن في حالة سعد الحريري وهو وريث المال والسياسة والطائفة والمنصب، تصبح المقارنة منصفة حين نتطلع إلى المشهد من زاوية الراحل الكبير أبيه رفيق الحريري، الذي لم يكمل تعليمه لكنه كان قادرا على التحدث في الأزمات بخطاب متماسك، ولديه مشروع لبناني استطاع بثرائه وموهبته في الأعمال أن يجمع اللبنانيين حوله، وهو الذي قال للراحل غسان تويني أول عهده برئاسة الوزراء (.. بيروت مهدمة؟ لا بأس.. نبنيها أولا ونجد القوانين في ما بعد!).

لقد كانت العبارة البسيطة مكثفة ببرنامج يفكر فيه الرجل، وقد وضع أول الأولويات بناء ما تهدم ليبدأ التشريع وكل ما يتطلبه ذلك من توافقات سياسية. لقد وضع أرضية صلبة لكل التوافقات فيما بعد، قادرا على أن يبقي على خيط تحالفاته الرفيع بين كل الأطراف دون التخلي عن تحالفه التاريخي مع السعودية، ولا أن يسمح للتعنت السوري (آنذاك) بأن يكسر برنامجه ضمن حزم تنازلات بالحد الأدنى، وكان قادرا على استيعاب وقاحة الاحتلال السوري ممثلا بعجرفة ضابط فاسد مثل رستم غزالة مستخدما كل أدوات فن الممكن.

اليوم، نحن أمام مشهد مقارب انسحبت فيه دمشق وتركت ظلالها بعهدة حزب الله الذي صار دولة داخل دولة، وتشابكت الخيوط الإقليمية لتنعقد عقدتها في لبنان بمشروع وصاية سعودية رموزه شخصيات مثل الوزير السعودي ثامر السبهان الذي يشكل فعليا بخطابه الموجه معادلا موضوعيا لرستم غزالة، لكن لبنان اليوم في هذا المشهد كله أمام رئيس وزراء لم يمسك العصا من المنتصف، فانزاح بكل وجوده نحو الرياض ليعلن منها استقالة غير دستورية ويخرق التوازن ويضع لبنان مرة أخرى على حافة كل الاحتمالات، مرهونا على ذمة حكمة من تبقى من سياسيين وزعماء سئموا اللعبة، وسئم منهم الناس بحثا عن إمام سياسي لا يغيب ولا يتم تغييبه ينتظره الجميع، ويضع لبنان خارج كل حسابات الأزمة التاريخية منذ القرن السابع الميلادي بين علي ومعاوية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG