Accessibility links

لبنان 'ينأى' بنفسه عن لبنان


رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري

بقلم حازم الأمين/

يبدو أن الدول والحكومات أكثر سذاجة من مواطنيها ورعاياها. الحكومة اللبنانية أعلنت نأي لبنان بنفسه عن الأزمات التي تعصف بالمنطقة. كُرس هذا "النأي" باجتماع لمجلس الوزراء خصص له، وببيان تلاه رئيس الحكومة سعد الحريري حدد فيه خطوط النأي من دون أن يلحظ برنامجه. لا مشكلة، فالبرنامج يبقى تفصيلا أمام النية الجادة في أن ننأى بأنفسنا.

بالشكل تبدو الخطوة محمودة، لكن لبنانيا واحدا لا شك لديه بإمكان النأي بالنفس. الحكومة اللبنانية ليست حسابا على الإطلاق في برنامج حزب الله الإقليمي. حزب الله نفسه ليس حسابا في برنامج حزب الله. المهمة الإقليمية للحزب أكبر بكثير من طموحات الحكومة اللبنانية، ومن نواياها الحسنة وغير الحسنة. لا تخفى هذه الحقيقة على أحد في بيروت، وهي طبعاً لا تخفى على الحكومة وعلى رئيس الجمهورية. ربما قضت "التسوية" الجديدة الحد من الدور الإعلامي لحزب الله في اليمن. أما الدور الميداني، فهذا ما لا يضمنه أحد. الدور في سورية خارج النقاش طبعا، والتعرض للدور في العراق يعد تدخلا لبنانيا في أحوال الطائفة الشيعية. وبهذا المعنى قد يكون من الأسهل وبدل أن ينأى لبنان بنفسه عن حروب المنطقة، أن ينأى حزب الله بنفسه عن لبنان. هذه الخطوة أقل استحالة من أن ينأى لبنان بنفسه عن حزب الله.

من تريد الحكومة اللبنانية أن تُقنع بما وصلت إليه لجهة "النأي بالنفس"؟ فالمسألة هي أن رئيس الحكومة سعد الحريري العائد عن استقالته لا يستطيع تحمل أن يرأس حكومة فيها حزب يقاتل المملكة العربية السعودية في اليمن. إذا لا بأس بخطوة شكلية في هذا الاتجاه. لكن لبنان كفكرة وككيان وكحدود يترنح تحت وطأة دور حزب الله في سورية، وهذه الحقيقة تبقى خارج قدرة اللبنانيين على نقاشها وعلى أن يكونوا عاملا مؤثرا فيها. لبنان "يقاتل داعش" في سورية ويقاتل إسرائيل في سورية ويقاتل أعداء ايران في سورية، ولبنان يقاتل لبنان في سورية. كل هذه الجبهات مفتوحة على هذا البلد الصغير، وهذا الأخير لم يكترث إلا لقتال لبنان في اليمن.

في غفلة منا، صار بلدنا عاصمة الحروب الأهلية في كل الإقليم. للحوثيين في لبنان وسائل إعلام تبث منه، وللنظام في سورية شركات ومصارف تتولى الالتفاف على العقوبات الدولية عليه، وللعراقيين من أبناء النظام الجديد ملاذات كثيرة. وإلى معظم هذه الدول يُصدر لبنان خبراء في القتال، واستشارات أمنية، وها هي شركاته تنتظر فرص إعادة الإعمار ورجال أعماله يبتسمون للسياسيين الجدد في أعقاب كل جولة قتال. فهل ينجو لبنان من مشهد هو في صلبه؟ وإذا كان الحضور اللبناني ضعيفا في ليبيا، فمرد ذلك إلى أن الجماعات الأهلية المتحاربة هناك لا عمق لبنانياً لها، وربما وجدنا من يبحث عن علاقات قرابة، وهو سيجد من دون شك.

الحكومة اللبنانية نأت بنفسها عن صراعات خارج الحدود. فعلت ذلك في اجتماع حضره وزراء الحزب الإقليمي الأول في الشرق الأوسط. على المرء ألا يُذهل من قوة القرار، ذاك أنه بمثابة خطوة أسد أقدم عليها أرنب. لكن الغريب هو أن ما لم يُقنع اللبنانيين من المفترض أن يقنع السعودية وأميركا. ولن ننتظر طويلاً لنختبر كم من الوقت سيصمد الالتزام، حتى في مستواه الشكلي.

لم يعد ممكنا أن تختبئ الحكومة اللبنانية وراء خطاب النأي بالنفس، ذاك أنه خطاب غير واقعي إلى درجة مضحكة. لقد تجاوزنا الطموح في أن يتم ضبط حزب الله في المعادلة اللبنانية، فحجم الاستثمار في الحزب يفوق حجم لبنان. ومثلما فقدت سورية المقدرة على التحكم بمستقبلها الذي صار جزءا من حرب إقليمية ودولية، فإن لبنان فقد بدوره المقدرة على ضبط خيوط اللعبة غير اللبنانية في لبنان. من هنا يجب أن يبدأ البحث، أي من السؤال عن الحاجة الإقليمية والدولية لاستقرار لبنان وعن عدمها، وعن مدى اقتناع العالم بأن كلفة هذا الاستقرار تستحق ما يُدفع من فواتير لقائها.

في الشهر الفائت بدا أن الولايات المتحدة والسعودية قررا أن كلفة التوازن اللبناني المختل لمصلحة حزب الله أكبر من أثمانه الحقيقية. الولايات المتحدة قررت الذهاب بقانون العقوبات إلى الكونغرس، والسعودية أجبرت سعد الحريري على الاستقالة. الجواب اللبناني كان "النأي بالنفس" تجنبا للعقوبات الأميركية وللغضب السعودي.

الجواب قاصر طبعا عن التعاطي مع حجم المشكلة، على رغم الرعاية الفرنسية والمصرية للتسوية الجديدة. المهمة التي يؤمنها لبنان في المشهد الإقليمي المأسوي والمتمثلة باستقبال اللاجئين وبحماية ما تبقى من مسيحيين فيه، لا تخاطب مخاوف الإدارة الجديدة في واشنطن ولا تكفي لإقناع الرياض بأن تغض نظرها عن حقيقة أن الحكومة اللبنانية هي حكومة حزب الله.

أشهر قليلة وسيُشهر رعاة التسوية الجديدة في بيروت البطاقة الحمراء في وجه أطراف هذه التسوية. أشهر قليلة وسنعود إلى اللحظة التي أعلن فيها الحريري استقالته، هذا اذا لم تستبق تل أبيب ذلك.

ـــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG