Accessibility links

بقلم حسين عبد الحسين/

نفى الرئيس اللبناني ميشال عون، الأسبوع الماضي، أنباء تحدثت عن وجود قاعدة عسكرية أميركية في بلدة حامات الشمالية.

شائعة وجود قاعدة أميركية في شمال لبنان تتردد منذ عقود، ولا تتلاشى، إذ يبدو أن الشعبويين من المحرضين ضد الولايات المتحدة يلّوحون بها بين الحين والآخر لإشاحة النظر عن فسادهم في السياسة وفشلهم في الحكم.

في عددها في الـ19 تشرين الأول/أكتوبر 2007، مثلا، نشرت صحيفة "الأخبار" المقرّبة من "حزب الله" اللبناني مقابلات مع عدد من أعضاء البرلمان اللبناني، أجمعوا فيها على القول إن "الولايات المتحدة تسعى منذ سنوات إلى إقامة قواعد عسكرية بحرية وجوية وبرية في عدد من المناطق اللبنانية وتغيير عقيدة الجيش" اللبناني.

وفي الـ 28 أيلول/سبتمبر 2009، نشرت صحيفة "السفير"، المقرّبة من "حزب الله"، قبل أن توقف صدورها، خبرا مفاده أن أميركا أقامت قاعدة جوية في بلدة حامات الشمالية، وهو نفس الخبر الذي أعاد صحافيون طرحه على عون، لينفيه الرئيس اللبناني بعد ثماني سنوات على نشره.

والغريب في الأمر أن مجموعة السياسيين والإعلاميين اللبنانيين، من معادي الولايات المتحدة، لا يشعرون بالحرج لبثّهم دعاية سياسية تافهة هي بمثابة إهانة لذكاء القرّاء. فطول لبنان، بين أقصى نقطتين في شماله وجنوبه، يبلغ ٢٢٠ كلم، ويمكن لمقاتلة "أف 16" الأميركية التحليق بسرعة 2200 كلم في الساعة، وبعملية حسابية، يمكن للمقاتلة أن تحلّق من أقصى جنوب لبنان إلى أقصى شماله في ست دقائق فقط، ومن أقصى غربه إلى أقصى شرقه في نصف هذه المدة، وهو ما يعني ألا أهمية استراتيجية للبنان يمكن أن تدفع أميركا لبناء قواعد عسكرية فيه.

ثم أن للولايات المتحدة حلفاء يحيطون بلبنان وسورية، مثل الأردن وتركيا وإسرائيل، يمكن للمقاتلات الأميركية الاقلاع من قواعد في هذه الدول، كما يمكن للمقاتلات الأميركية الاقلاع من حاملات طائرات الأسطول السادس، المنتشر في البحر الأبيض المتوسط.

لكن الدقة في تصريحات الصحافيين وتحقيقات الصحف ليست مطلوبة، بل المطلوب شائعات تحريضية لا تموت، وتستمر في التردد على مدى عقود، وهي شائعات تنطلي على الكثير من اللبنانيين من بسطاء العقل، وخصوصا من المؤمنين بنظريات المؤامرة على أنواعها.

قبل أسبوعين، قامت القوى الأمنية بتحطيم منصات غير شرعية شيدها باعة في ضاحية بيروت المعروفة بـ "حي السلم"، وهي ذات غالبية سكانية شيعية. انتفض أصحاب المنصات، وشتم أحدهم زعيم "حزب الله" حسن نصرالله، وقال إن الحزب "يقتل شبابنا في سوريا". وفي اليوم التالي، أطلّ الرجل نفسه مقدما اعتذاره لنصرالله، ربما تحت ضغط اجتماعي أو تهديد. بعد الاعتذار، نشر موقع أن سبب تفوه الرجل بشتيمته كان جهازا إسرائيليا يسيطر على عقول اللبنانيين ويدفعهم إلى التفوه بما لا يقولونه عادة، وأن الحزب فكك الجهاز، فعاد الرجل إلى رشده، واعتذر.

قد يكون الموقع المذكور من فصيلة "الأخبار المضللة"، لكن أن يكرر نصرالله نفسه، في خطاباته، أن الولايات المتحدة هي التي أنشأت داعش، باعتراف قادتها، هو تصريح على مستوى "نظريات المؤامرة" التي لا تليق برجل يدير جيشا في الشرق الأوسط ويعرف من مع من، ومن يقاتل إلى جانب من.

لكن كالعادة، ليست الدقة والموضوعية هي المتوخاة، بل الدعاية والتحريض، حتى لو كان مطلقو الشائعات يدركون تهافت أقوالهم وضعفها أمام أي تدقيق.

مثلا، دأب "حزب الله" وأجهزة إعلامه على تسويق مقولة أن متطرفين إسلاميين قتلوا رئيس حكومة لبنان السابق رفيق الحريري في العام 2005. ثم راح الحزب يبث دعاية أن آل الحريري، ومعهم السعودية، هم من يرعى الإسلاميين المتطرفين ويمولونهم في لبنان والعالم. هذا التناقض الواضح يطرح على ماكينة "حزب الله" الدعائية السؤال التالي: هل يموّل الحريري الإسلاميين المتطرفين، الذين يقتلونه ويغتالون مجموعة من مساعديه بعد ذلك؟ بكلام آخر، على دعاية "حزب الله" الاختيار، أما الحريري والإسلاميين المتطرفين أعداء، أم أنهم أصدقاء، ولكن إلصاق فكرتين متناقضتين هو بمثابة إهانة لأصحاب العقول السليمة.

لا قواعد عسكرية أميركية في لبنان، ولا أطماع للولايات المتحدة في دولة يمضي شعبها وحكومتها في سباق نحو الهاوية، ولو كانت أميركا تضمر الشرّ فعليا للبنان، فما عليها إلا الوقوف والتفرج على اللبنانيين يدمرون بلدهم، ومستقبلهم، ومستقبل عيالهم.

ــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG