Accessibility links

قدس الفلسطينيين... لا قدس العرب والمسلمين


خلال افتتاح السفارة الأميركية في القدس

بقلم حازم الأمين/

يُحسد قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني على رشاقته. فما أن بدأت نتائج الانتخابات العراقية في الظهور حتى حط في بغداد وباشر تواصله مع "الحلفاء العراقيين". جرى ذلك في اليوم الذي كان فيه المتظاهرون في غزة يتعرضون لنيران الجيش الإسرائيلي، وأيضا في اليوم الذي كانت فيه واشنطن تنقل سفارتها في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس، والرجل قائد فيلق القدس، وعلى رغم ذلك اختار بغداد وجهة في ذلك اليوم.

والحال أن الكثير من خصوم الرجل أخذوا عليه، بعد أن شاهدوه في بغداد، إعطاءه ضهره للحدث الفلسطيني في ذلك اليوم. والأرجح أن هؤلاء كانوا يمزحون، إذ أن شكا ساورهم حيال وجهة الرجل. يريدون تعييره بغيابه مع فيلقه عن الحدث "المركزي"، وانشغاله عنه بحدث هامشي هو هوية الحكومة العراقية في أعقاب الانتخابات ومفاجآتها!

القدس كانت مرة أخرى عنوانا لحرب أهلية عربية ومشرقية لا مكان فيها للهم الفلسطيني

هذه من أدوات السجال، والأخير استنفد فعلا. فأحد لا يمكن أن يشك بوجهة سليماني في ذلك اليوم. السياسة وموقع طهران يتحددان في بغداد وفي دمشق وفي بيروت، وليس في القدس. الأمر يصح أيضا على موقع الرياض وعلى موقع أنقرة، وإذا كان هذا لا يصح في حالة القاهرة، فلإن الأخيرة انكفأت منذ عقود عن كل ما هو خارجها، وليس لأن القدس وجهتها بدل عواصم دول المشرق المستباح.

اقرأ للكاتب أيضا: عن موقع موسكو الغريب من الحرب الوشيكة

يؤسس فيلق للقدس مهمته ضم بغداد ودمشق وبيروت. هذا هو حال القدس مع "المنتفضين" من غير الفلسطينيين على قرار الإدارة الأميركية نقل السفارة. الخليج بدوره لا يستطيع إلا أن يدين القرار الأميركي، وهذا أيضا في سياق مواجهة ليس للقدس علاقة بها، فهل يصح أن تخلى الساحة لسليماني في لحظة المواجهة الافتراضية. الجميع يعلم أن واشنطن أخذت قرار نقل السفارة مستفيدة من لحظة عربية تتيحها، ومن انفصال خليجي عن الهم الفلسطيني في سياق المواجهة مع طهران.

القدس كانت وحيدة في ذلك اليوم، وفيالق الحروب الأهلية التي سميت باسمها كانت منشغلة بحروبها الموازية. عاب الخليجيون وحلفاؤهم على سليماني صمت فيلقه عن نجدة المدينة المقدسة، وعاب الممانعون على الخليجيين تمريرهم ضمها لإسرائيل. القدس كانت مرة أخرى عنوانا لحرب أهلية عربية ومشرقية لا مكان فيها للهم الفلسطيني. الانقسام الفعلي هو حول بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء. القدس بعيدة جدا، وليست محل ابتلاء غير أهلها من الفلسطينيين.

الأرجح أن في هذه الحقيقة فرصة أيضا، على رغم ما حل بالقضية الفلسطينية من انتكاسات؛ العودة إلى فلسطينية القدس، والابتعاد بها عن عربيتها وإسلاميتها. فالوجوه غير الفلسطينية لهوية المدينة كانت خرابا وحروبا أهلية وأنظمة مستبدة وطموحات توسعية لا تقل عن الطموحات الإسرائيلية. القدس الفلسطينية وجهة أكثر واقعية وأكثر عدلا وأكثر قابلية للتحقق من القدس العربية والقدس الإسلامية، على الرغم من أن القدس كقضية هي في أحلك لحظاتها قتامة واستحالة.

يؤسس فيلق للقدس مهمته ضم بغداد ودمشق وبيروت

حان الوقت لأن يدرك الفلسطينيون أن القدس الواقعية ليست محل ابتلاء أي من أطراف الحرب الأهلية الإقليمية الكبرى التي تخوضها دول الإقليم. وهي، أي القدس، ليست أكثر من قناع يستعاض فيه عن وجه مستبد هنا وقاتل هناك. وأن تعلن اللوكسمبورغ تضامنها مع أهل المدينة وإدانتها ضمها إلى إسرائيل، فهذا مجد ومفيد أكثر للفلسطينيين من أن تعلن كل عواصم الإقليم إدانتها القرار. وأن يمتنع الاتحاد الأوروبي عن المشاركة في مراسم نقل السفارة، فلهذا وقع سياسي أهم بكثير من وقع الاتصال الهاتفي الذي جرى بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الإيراني حسن روحاني الذي تباحثا فيه بموضوع القدس، لكنهما تباحثا "على هامشه" بمفاوضات أستانا حول تقاسم النفوذ في سورية، وربما تطرقا إلى نتائج الانتخابات العراقية.

اقرأ للكاتب أيضا: الانتخابات اللبنانية: فراغ وغباء وكراهية

العودة بالقدس إلى الفلسطينيين هو الخطوة الأولى على طريق صعب لاستعادتها. إنه الطريق الذي شقته الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وبددته الانتفاضة الثانية. في الانتفاضة الأولى رسم مسار فلسطيني مستقل للقضية، أما في الانتفاضة الثانية فقد رسم مسار الانقسام الفلسطيني الذي جاء مستجيبا لانقسامات غير فلسطينية.

المهمة لم تعد سهلة هذه المرة، لكن الحق الوحيد الذي يمكن أن يجاهر العالم به، هو أن القدس للمقدسيين، وليست لمستوطنيها الجدد ولا لقادة فيالق الحروب الأهلية الإقليمية. ثمة مئات آلاف من الفلسطينيين هم أصحاب الحق. إعادة الاعتبار لهذه المعادلة البسيطة تملي الكثير الكثير حتى تتحول إلى سياسة وإلى احتمال استعادة الحق.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG