Accessibility links

بصمة باتريشا


الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون مع السيدة الأولى باتريشا نيكسون عام 1972

بقلم كوليت بهنا

على موقع (الحرّة) الإلكتروني هنا، استوقفتني قبل أيام مادة عُنوِنَت بـ"نساء دخلن البيت الأبيض"، تستعرض باقتضاب شديد أسماء زوجات رؤساء أميركا وما تركنه من بصمات في الحياة العامة عند الأميركيين. وبتصفح ما كتب عن كل واحدة منهن، ستكتشف أن "بصماتهن" التي تركنها، تراوحت بين أول سيدة أدخلت أشجار الكرز إلى العاصمة واشنطن، أو ناشطة نسوية عقدت في البيت الأبيض مؤتمرات إخبارية للمراسلات والصحافيات فقط، أو القيام بأعمال ترميم للبيت الأبيض، أو داعمة لقضايا المرأة والتعليم.

كل ما تقدم بدا عاديا، باستثناء ما كتب عن بصمة السيدة باتريشا زوجة الرئيس ريتشارد نيكسون، بوصفها "أول سيدة أولى تظهر علنا مرتدية البنطال"، وفي الحقيقة هي بصمة ملفتة للغاية. إذ أننا، ومن دون الحاجة للعودة إلى وثائق نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات لمعرفة ردود الفعل، يمكن للمرء أن يتخيّل الصدمة التي أحدثها هذا الظهور في المجتمع الأميركي المحافظ في العمق بنسبة لابأس بها، وإن بدا متحررا ظاهريا. ولعل هذا الظهور العلني اعتبر فعلا جريئا محمودا من سيدة أولى ستقلد خطوتها جريئات كثيرات من عامة الشعب. أو ربما اعتبر في حينه، حدثا مجلجلا بعنوان (بنطال غيت) على غرار فضيحة (ووترغيت).

البنطال الذي أثار عند بداية ظهور النساء به ردود فعل عالمية كانت حادّة بمعظمها، واعتبر تحديا سافرا ووقاحة وتشبّها بالرجال، وحرّمته بعض الفئات المتزمّتة وكأنه رجسٌ من أعمال الشيطان وتجب محاربته ومحاربة مريداته. وعلى الرغم من أنه بات اليوم أمرا واقعا، ويحتل بأنواع أقمشته وقصّاته المختلفة خزائن بعض النساء بنسبة 99 في المئة من ثيابهن. يمكن القول إن النظرة إليه مازالت بين التأييد أو الرفض، الكراهية أو الإعجاب، فيما يرى فريقٌ ثالثٌ مسالمٌ أن الأمر برمّته غير مهم، فلتلبس المرأة ما يناسبها، المهم أن تبدو جميلة حتى لو ارتدت بدلة رواد الفضاء.

المؤيدات للبنطال من النساء، يرين أن المرأة اضطرت للنزول للعمل، ولم تعد كالسابق سيدة صالون ناعمة ومهفهفة. بالتالي فهو أكثر حشمة للجسد، وساتر لعيوب الساقين أو لمفاتنهما، كما يمكن التحرك به براحة شديدة، والجلوس في المكاتب والحدائق وكل الأماكن العامة والخاصة بدون قلق من المتلصّصين. كما يمكن القفز به إلى وسائل النقل بخفّة، والصعود على السلالم دون الالتفات للخلف لإبعاد الحشد الشعبي الذي يلحق بصاحبة التنورة.

أما المؤيدون المتحمّسون له من الرجال، فيرون باختصار شديد أنه مثير ويبرز المفاتن الأنثوية. وبسبب هذه النقطة تحديداً، أي إبرازه للمفاتن الأنثوية وتفاصيل الجسد بوضوح، كرهه الكارهون وحاربه الرافضون، إضافة إلى أنهم استعانوا بدراسات علمية قالت إن البنطال الضيق خاصة يمكن أن يؤثر على الحمل عند المرأة مستقبلاً . وعليه، منع كثيرون بناتهم ونسائهم من التفكير به حتى لو كان بنطالاً قطنياً سخيفاً للنوم.

ليس المتزمتون وحدهم من يمنعونه، بل تمنعه أيضاً قوانين بعض الشركات والمؤسسات الكبرى التي تشترط على مديراتها وموظفاتها ارتداء فستان محتشم، والأفضل تايور أنيق بطول تنورة محدد، مع حذاء بكعب عالٍ أو خفيف، كموظفات ومديرات بعض مكاتب مانهاتن أو وول ستريت، أو بعض السفارات والفنادق وغيرها. كما تشترط العديد من الحفلات الضخمة على النساء، مثل حفلات النجوم والمشاهير، ارتداء الفساتين، وإن تمردت إحداهن وجاءت ببنطال، عليها أن لا تفاجئ إن منعت من الدخول .

وبالعودة إلى باتريشا نيكسون، قد تكون أهم بصمة تركتها هي وباقي زوجات الرؤساء، ليس بنطالها، ولا أشجار الكرز، ولا ترميم البيت الأبيض وغيره. بل إنهن دخلن البيت الأبيض وخرجن منه، وهن مقتنعات أن إقامتهن محددة وليست دائمة، وأن البيت الرئاسي ليس ملكاً للمستر بريزيدانت.

---------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG