Accessibility links

الأزمة الخليجية... قراءة من الداخل


اجتماع سابق لوزراء خارجية الدول الأربع المقاطعة لقطر-أرشيف

بقلم عريب الرنتاوي/

يجد كثيرٌ من المراقبين صعوبة فائقة في فهم الأسباب الحقيقية الكامنة وراء اندلاع الأزمة الخليجية وتفاقهما، ذلك أن مراجعة حقيقية للائحة المطالب والشروط التي أعلنتها الدول الأربع (مصر، السعودية، الإمارات والبحرين)، وطالبت قطر الالتزام بها، تبدو متناقضة إلى حد كبير، وتعكس الأولويات المتباينة للدول ذاتها، وتنطوي على عناوين لا صلة لها بإيران أو محاربة التطرف والإرهاب.

ففي الوقت الذي تبدو فيه مصر منزعجة في المقام الأول من دعم قطر و"قناة الجزيرة" لجماعة الإخوان المسلمين، فإن دولاً أخرى من دول الرباعي المذكور، ترتبط بعلاقات وثيقة مع هذه الجماعة، فالسعودية تحتفظ بعلاقات تحالف ميدانية مع إخوان اليمن "التجمع اليمني للإصلاح"، والبحرين تسمح لـ "إخوانها" بالمشاركة في البرلمان، ولم تمنع الانتقادات المصرية والإماراتية للإخوان، الدولتين من القيام بجهود كثيفة من أجل إتمام مصالحة بين حماس (فرع الإخوان في فلسطين) والعقيد المنشق محمد دحلان المقرّب من ولي عهد أبو ظبي والرئيس السيسي، كما لم تحل دون تقديم الرعاية المصرية للمصالحة بين فتح وحركة حماس التي جرت في القاهرة مؤخراً.

والسعودية إلى جانب كل من البحرين ومصر، لطالما اشتكت، ومنذ سنوات طوال، من قيام "قناة الجزيرة" بفتح ملفات تتعلق بالحكم والمعارضة في هذه الدول، واستضافتها لشخصيات معارضة، كان محظوراً عليها الظهور في وسائل إعلام هذه الدول، وهو أمرٌ لطالما اعتبرته الدول الأربع تدخلاً في شؤونها الداخلية ومحاولة لزعزعة أمنها واستقرارها، خصوصاً في سنوات "الربيع العربي" حيث لعب الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي دوراً هاماً في إحداث التغيير في العديد من دول المنطقة.

والحقيقة أن عدداً من الدول التي تتهم قطر بالتدخل في شؤونها الداخلية، مارست هي بذاتها أشكالاً مباشرة من التدخل في شؤون الآخرين، فقد اشتكت سلطنة عمان رسمياً قبل بضع سنوات، من محاولة جارتها دولة الإمارات، تجنيد شخصيات عمانية في مواقع حساسة، من بينها الديوان السلطاني، للعمل مع أجهزتها المخابراتية، كما اشتكت قطر والمعارضة البحرينية من تدخلات سعودية فظة في شؤونها الداخلية في مراحل مختلفة.

أما اتهام قطر بدعم وتمويل جماعات أصولية متشددة تنشط في سوريا والعراق وغيرهما، فهو اتهام يمكن توجهيه لدولتين على الأقل من دول المقاطعة الأربع ... فالسعودية دعمت الجهات ذاتها في سوريا والعراق، ونسقت لسنوات عمليات الدعم والتمويل مع الدوحة ... واليمنيون في عدن، يشكون من دعم الإمارات لجماعات سلفية متشددة، لمواجهة نفوذ "التجمع اليمني للإصلاح"، خصوصاً في تعز وغيرها من محافظات اليمن.

وإذ تُتهم قطر بأنها تحتفظ بروابط "فوق العادة" مع إيران، التي تنظر كل من السعودية والإمارات لها بوصفها التهديد الرئيس لأمنها واستقرارها، فإن الحقائق تشير إلى أن دولة الإمارات العربية، هي الشريك التجاري الأكبر لإيران من بين جميع الدول العربية، وتقيم على أرضها جالية إيرانية يقارب تعدادها نصف مليون إيراني، وتحتفظ بشبكة علاقات تجارية ومالية معقدة ومتشعبة مع طهران قبل التوقيع على الاتفاق النووي وبعده، على الرغم من أنها صاحبة "الجزر الثلاث المحتلة" ... كما أن مصر، تحتفظ بمقاربة حيال إيران، لا تتفق تماماً مع المقاربة السعودية، فهي وإن كانت لا تحتفظ بعلاقات جيدة معها، إلا أنها لا ترى إليها بوصفها التهديد الأكبر والعدو الأول لأمنها واستقرارها.

خلاصة القول إن العديد من الاتهامات التي وجهت لقطر، وبعضها إن لم يكن معظمها، صحيح تماماً، ومثبت لدى عواصم إقليمية ودولية نافذة، تنطبق بالدرجة ذاتها، إن لم نقل بدرجة أعلى، على الدول التي تفرض حصاراً مشدداً على الدوحة، وقد وفرت المائة يوم الأولى للأزمة الخليجية، فرصة نادرة للمهتمين والباحثين، للتعرف على نحو أفضل وأعمق على الأدوار التي لعبتها دولٌ خليجية نافذة في العديد من أزمات المنطقة، وخصوصاً لجهة كشف شبكات التواصل المعلنة والسرية التي تربط هذه الدول بجماعات أصولية وإرهابية.

إن السبب الرئيس لاندلاع الأزمة مع قطر إنما يكمن في السياسات الداخلية للدول المنخرطة في هذه الأزمة ... القاهرة تبحث عن "أسباب خارجية" تعلق عليها فشل سياساتها في محاربة التطرف والإرهاب ... الصراع على السلطة في المملكة العربية السعودية بات عاملاً مقرراً في السياسة الخارجية للمملكة، والبعض يعتقد أن الأزمة الخليجية كما الحرب على اليمن، إنما ارتبطت أشد الارتباط بطموحات الأمير الشاب لتولي مقاليد الحكم في المملكة الثرية، ورغبته في رسم صورته كقائد حازم داخلياً وإقليمياً، وأنه وحده المؤهل لإعادة المملكة إلى صدارة دورها القيادي في العالمين العربي والإسلامي.

أما الإمارات وقطر، فهما تشتبكان في علاقة تنافسية حادة على الأدوار والنفوذ في الإقليم سياسياً واقتصادياً وتجارياً، وهما تعتمدان الوسائل ذاتها في تسويق هذا الدور وتسويقه، إن لجهة استخدام "الفائض المالي" المتراكم لهذه الدول أو من خلال هيمنتهما على شبكات من المؤسسات الإعلامية والبحثية ودور العلاقات العامة، وفوق هذا وذاك، استعدادهما الجارف لبناء قواعد نفوذ في دول الأزمات العربية والإقليمية، من خلال دعم وتمويل جماعات محلية تدين بالولاء لهذه العاصمة أو تلك.

ولعل الشعرة التي قصمت ظهر البعير، أن التنافس القطري – الإماراتي امتد في العامين الأخيرين إلى السعودية ذاتها، حيث دعمت كلتا الدولتين أجنحة متصارعة من العائلة الملكية، ولمّا جاءت نتيجة هذا الصراع لصالح الجناح الذي تدعمه أبو ظبي، فقد وفر ذلك فرصة نادرة للدولتين لتصفية الحساب مع الإمارة الصغيرة المجاورة.

ولأن الصراع بين الدول الخليجية بات مرتبطاً أشد الارتباط بديناميكيات السلطة والصراع عليها وتنافس الأدوار، محلياً وعلى المستوى الخليجي، فإن من غير المتوقع أن تنجح هذه الدول في حل خلافاتها في المدى المنظور، بل أن كثيرٍ من الدلائل تشير إلى انتقال الصراع بين قطر ودول الرباعي العربي من مرحلة تغيير السياسات إلى مرحلة تغيير النظام في قطر، حيث يجري تشجيع فروع من العائلة للانشقاق والتمرد على الأمير، كما يجري تحريض العشائر القطرية ذات الامتدادات الخليجية لفعل الشيء ذاته، ويجري تمويل وتغطية مؤتمرات لما يسمى "المعارضة القطرية الخارجية" في دول أوروبية.

وحتى بفرض نجاح الوساطات والجهود الدولية في إدارة الأزمة الخيلجية واحتوائها، فليس من المحتمل أن تعود العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي الست إلى سابق عهدها، بعد أن تجاوزت الأطراف العديد من الخطوط الحمراء التي قيدت وحددت علاقاتها البينية، وتحول الصراع في أحد وجوهه إلى صراع شخصي/ عائلي/ عشائري، لا يتسم بكثير من العقلانية، ولا تحكمه حسابات المصالح وقواعد العلاقات المعروفة بين الدول.

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG