Accessibility links

أزمة قطر واقتلاع الإرهاب من جذوره


الرئيس ترامب في خطابه أمام القمة الأميركية-الإسلامية في أيار/مايو الماضي

بقلم د. نجاة السعيد/

أهم نتائج القمة الأميركية الإسلامية في الرياض أنها وضعت الكرة في ملعب الدول العربية والإسلامية وحولتهم من مجرد مشاركين في الحرب على الإرهاب إلى لاعبين أساسيين. وتميزت هذه القمة أيضا بأنها أوضحت أن سياسة الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب تختلف عن سلفه باراك أوباما، وأن الولايات المتحدة الأميركية رجعت إلى حلفائها التقليديين وعلى رأسهم السعودية. وقد أدى ذلك إلى تغيرات تمثلت في تحول وضع الحلفاء التقليديين من التشكيك بالدول الكبرى إلى الانخراط في أداء دور قيادي في مكافحة الإرهاب، إذ بيّن هؤلاء الحلفاء أنهم لن يقبلوا أن تكون بلادهم تحت نفوذ إقليمي مكون من إيران وتركيا، مدعوم من الدول الكبرى. ولعل أزمة قطر، التي تفجرت بعد القمة كشفت أن صرامة الإدارة الأميركية الجديدة في مكافحة الإرهاب لا تعطي مجالا للتلاعب في المناطق الرمادية التي يمكن من خلالها دعم جماعات بوجهين تدعي أنها جماعات معتدلة مثل الإخوان. فأساس الإرهاب ينبع من الأيديولوجية المتطرفة لدى الجماعات الإرهابية وليس بأسلوب وكيفية طرح تلك الجماعات.

الدول الأربع المقاطعة لقطر (السعودية، مصر، الإمارات، والبحرين) أدركت تماما بعد القمة أن خطر الدوحة ليس مجرد اختلاف سياسي بل هو تهديد لأمنها القومي وكيانها الذي تهدده قطر من خلال دعمها للجماعات المزدوجة سياسيا والتي تظهر الاعتدال وتضمر التطرف.

من يتتبع تحالف قطر مع الإدارة الأميركية السابقة يجد أنها استفادت من مرونة وغموض إدارة أوباما في مكافحة الإرهاب، بعكس الرئيس ترامب الذي كان واضحا من أول خطاب له أن هدفه ليس فقط القضاء على الجماعات الإرهابية بل هو ضد الأيديولوجية البربرية التي أدت إلى هذا العنف والإرهاب، وأن الصراع ليس صراع حضارات أو معتقدات بل ضد أيديولوجية متطرفة، ولهذا هويحتاج إلى تعاون الحلفاء التقليديين في هذه المهمة الصعبة. قطر تعد ـ وإن كان ذلك شكليا ـ دولة خليجية لكن كل سياساتها على الأرض تثبت أنها لا تمت للخليج بأي صلة وهي دولة إخوانية في مضمونها، يتبين ذلك من خلال استخدامها لقوتها الناعمة والصلبة بطريقة مزدوجة لنشر الأيديولوجية المتطرفة التي تسعى الإدارة الأميركية الحالية بكل جهودها لمكافحتها في حربها على الإرهاب.

المعضلة الأساسية في الحرب على الإرهاب أنها ليست واضحة تماما لا بالنسبة للغرب ولا للشرق، ولذلك على الدول الأربع المقاطعة لقطر أن ترسم خطة استراتيجية بالتنسيق مع الإدارة الأميركية وحتى مع الحزب الديموقراطي، لتعريف بذور الإرهاب وكيفية مكافحتها. هذا التصدع الداخلي بين الحزب الجمهوري المتمثل بإدارة ترامب والحزب الديموقراطي يجب أن يحل وخاصة في ما يتعلق بمكافحة الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط. يجب أن تكون هناك نقطة تلاق بين الحزبين في مكافحة الإرهاب لأن هذا الاختلاف سيكون بالتأكيد موضع استغلال من قبل من يتعامل بوجهين كما تفعل قطر التي أصبحت جزءا من الخلاف المحلي بين الحزبين مستغلة ذلك الخلاف لمصلحتها من خلال تحالفها مع حلفاء وأنصار الحزب الديموقراطي.

يجب تفنيد أيدولوجية المجموعات الإرهابية في الدول العربية والغربية وتوضيح الأسباب لذلك. فهناك ثلاثة أنواع من الجماعات والأحزاب الإرهابية، البعض يتفق الجميع على أنها إرهابية والبعض الآخر غير متفق عليها. فمثلا المجموعة الأولى وهي التي تعبر عن إرهابها بصراحة بالقتل والتفجير والجميع متفق أنها جماعات إرهابية مثل داعش والقاعدة، لكن الاختلاف ينصب على تصنيف المجموعتين الثانية والثالثة، وهنا تكمن الإشكالية.المجموعة الثانية هي مجموعة الإسلام السياسي المتطرف مثل حزب الله وحماس فهي لا تستخدم العنف في جميع الأحوال، ولكن عندما تسنح لها الفرصة تستخدمه مستغلة قوتها السياسية والدعم المالي والتسليحي الذي تقدمه لها دول لها مثل إيران وقطر. هذه أرضية مشتركة بين الدول الأربع المقاطعة لقطر وبين الحزبين في الولايات المتحدة الأميركية. فأي اتصال بتلك الأحزاب في أميركا يعاقب عليه القانون. وهذا الاختلاف الأساسي بين علاقة قطر بإيران وعلاقة دول خليجية أخرى بإيران مثل الكويت وعمان، فعلاقة هاتين الدولتين بإيران هي علاقات محايدة لرأب الصدع في الخليج وتقتصر على بعض التعاملات التجارية، أما علاقة قطر بإيران هي علاقة تنسيق ودعم لجماعات وأحزاب متطرفة كحزب الله وحماس. أما المجموعة الثالثة وهي المجموعة التي تتعامل بوجهين: وجه مسالم للغرب ووجه متطرف يخص الدول العربية والإسلامية وهي المتمثلة بالإخوان المسلمين التي تدعمهم قطر بكل قواها أو بالأصح هي نفسها حكومة إخوان. تعريف هذه المجموعة على أنها إرهابية هو مكمن الاختلاف بين الدول المقاطعة لقطر وبين الغرب خاصة الحزب الديموقراطي في أميركا واليساريين في أوروبا، وهذا ما يجب توضيحه والاتفاق عليه.

إن الأحزاب الليبرالية واليسارية في الغرب عموما تختلف مع الأحزاب المحافظة في تسمية الجماعات المهجنة (hybrid) بالإرهابية، وهي التي تتعامل بوجهين مثل الحرباء كالإخوان وقطر. فالمتتبع للأحداث يجد أن قطر والإخوان يسيران على نفس المنهج المزدوج بالتعامل مع وضد الغرب في آن واحد. فهل يقبل الحزب الديموقراطي في أميركا والأحزاب اليسارية في أوروبا أن يكونوا موضع استغلال لقطر والإخوان؟ فجماعة الإخوان تقسم أدوار أعضائها إلى قسمين وجه معتدل مثقف أمام الغرب ووجه متطرف ظلامي للدول العربية والإسلامية، فمثلا الأكاديمي الإخواني طارق رمضان يبهر الغرب بكتاباته ودراساته في الجامعات البريطانية في حين الإخواني وجدي غنيم يدعو إلى العنف والكراهية ضد الغرب على الفضائيات التركية. قطركونها دولة إخوانية تسير على نفس المنهج المزدوج فهي تستثمر مراكز تجارية وحتى في الإعلام في أوروبا وأميركا ببلايين الدولارات وفي ونفس الوقت تدعم بالمال والسلاح أحزاب متطرفة عدوة للغرب مثل حزب الله وحماس. قطر تفتح أبوابها لقواعد عسكرية أميركية وفي نفس الوقت تدعم أعضاء من القاعدة والنصرة. إعلام قطر المتمثل في قناة الجزيرة نجده يبث الاعتدال باللغة الإنكليزية والتطرف باللغة العربية. هذا كان واضحا مؤخرا على سبيل المثال في ما نشره أحمد منصور، أحد مذيعي قناة الجزيرة والمعروف بانتمائه لجماعة الإخوان المسلمين، في تغريدته التي يشمت فيها بإعصار "إيرما" في ولاية فلوريدا الأميركية ويستشهد بآية قرآنية ليقول إن الذي يحدث في أميركا غضب من الله "عشرون مليون أميركي يفرون خوفا من الإعصار إيرما الذي يسحق كل شيء: ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون". وبعدما انتشرت التغريدة في الأوساط الأميركية يغرد معتذرا باللغة الإنجليزية. نجد أن الجماعات والدول التي تنتمي للفكر الثوري كقطر والإخوان غالبا ما تلجأ إلى التعامل بوجهين مستخدمة كل الوسائل الممكنة لكي تحقق أهدافها. لذلك على الديموقراطيين في أميركا واليساريين في أوروبا أن يجدوا تشريعات تمنع استغلال هذه الجماعات والدول للقوانين الغربية لمصلحتها والبحث عن تشريعات جديدة تحدد كيفية منع هؤلاء من التلاعب بالقانون واستغلال الأنظمة الغربية.

الخلاف الأساسي في محاربة الإرهاب بين الأحزاب الليبرالية والمحافظة في الغرب أن المحافظين يجدون في الجماعات المتلونة مثل الإخوان المسلمين بوابة للتطرف كبوابة المخدرات فلو تم تدعيمها معناه دعم للجماعات الإرهابية كداعش والقاعدة لأنهم جميعا ينتمون لنفس الأيديولوجية المتطرفة، بينما الليبراليون في الغرب مثل إدارة أوباما يجدون في تلك الجماعات المزدوجة لقاحا معالجا للجماعات المتطرفة لأنها تمثل في نظرهم الإسلام المعتدل، وأن بإمكانها أن تروض الجماعات الإرهابية وأن محاربتها تعد محاربة للإسلام. هذا هو الخطر الذي يجب أن يوضح لليبراليين في الغرب، ويجب على الدول الأربع المقاطعة أن توضح أن الإخوان المسلمين وسياسة نظام الحمدين المزدوجة في قطر أخطر من داعش والقاعدة. فالأول يقوم بدور الذئب المتنكر في رداء الحمل الوديع بين ما الأخير عدو إرهابي واضح. فداعش والإخوان على نفس الخط والأيديولوجية المتطرفة ولكن الإخوان لهم طيف متقلب يخدع من هو غير ملم بحقيقته ومضمونه. الدول الأربع المقاطعة لم توضح هذه القضية بطريقة كافية للغرب وفي الغالب عندما تتحدث عن أسباب مقاطعتها لقطر إما أنها تتحدث بطريقة مبهمة وتجريدية عن الإرهاب أو تركز على مسائل ثانوية مثل تمويل قطر لبعض من أعضاء النصرة. خطر وعواقب ما تقوم به هذه الجماعات المزدوجة بوجهين مثل قطر والإخوان يجب أن يوضح وبنقاط محددة في الإعلام الغربي.

فلو اتفقنا أن هذه الجماعات الازدواجية خطرة وهي أس الإرهاب فما هي الاستراتيجية التي يمكن استخدامها لمكافحة الإرهاب؟ الحجر الأساسي في مكافحة الإرهاب هو ما ذكره سفير الإمارات لدى الولايات المتحدة الأميركية، يوسف العتيبة، أن خطة الدول المقاطعة في مكافحة الإرهاب بالاتجاه نحو العلمانية وهو طريق مغاير تماما لقطر التي تدعم الإسلام السياسي، وهذا ما دفع الإعلام القطري بالهجوم الشرس على السفير وأخرجت تعريفه للعلمانية عن سياقه وكأنه ضد الإسلام. تحتاج المجتمعات العربية، في الواقع إلى التوعية بمفهوم العلمانية لأن الغالبية تفهمها على أنها زندقة وكفر ضد الدين مع أنها في الحقيقة تحافظ على الدين من الاستغلال سياسيا، لذلك على الدول الأربع المقاطعة أن تقدم استراتيجية لتوعية وتثقيف مجتمعاتها بشأن مفهوم العلمانية من خلال إنشاء مؤسسات مجتمع مدني، التعليم، الإعلام، البرامج الثقافية وغيرها. عليها أيضا أن تدرس اختيار العلمانية المناسبة لمجتمعاتها: هل هي علمانية مطلقة مثل فرنسا أم علمانية تحد من سلطة رجال الدين وتنظم دورهم مثل العلمانية في اليونان؟ فبناء مجتمع علماني تنويري هو اللبنة الأساسية لمجتمعات ديموقراطية وليس العكس، ففرنسا مثلا لم تصبح ديمقراطية إلا في عام 1945 أي 150 سنة بعد الثورة الفرنسية بعد أن أسست مجتمعا تنويريا متحضرا بعيدا عن خزعبلات رجال الدين واستغلالهم للعامة، لذلك على الدول الغربية أن تدعم ما تقوم به الدول الأربع المقاطعة لقطر. فما قامت به السعودية مؤخرا من القبض على 31 متطرفا هو بداية تأسيس مجتمع منفتح بعيد عن تحكم الدعاة والمشايخ، ولكنه لم يحظ بدعم من الإعلام الغربي فقد كتب عنه في النيويورك تايمز على أنه بمثابة القبض على منشقين ممولين من قطر لتقويض النظام الملكي وليس قبض على متطرفين كأمثال سلمان العودة الذي كان يدعو الشباب السعودي لتفجير نفسه في العراق وسورية. فقد أدرك ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، أن رؤية المملكة العربية السعودية 2030 الاقتصادية لا يمكنها أن تتحقق بدون تحديث فكري وثقافي للمجتمع السعودي، وهذا لن يحدث في ظل سيطرة المتطرفين على المجتمع وهو من تم القبض عليهم مؤخرا. لكن من يقرأ مقالة النيويورك تايمز يجدها وكأن السعودية دولة استبدادية قبضت على من يدعون للحرية وهم أبعد ما يكونون عن ذلك.

أزمة قطر يمكنها أن تكون نقطة تحول في مكافحة الإرهاب من جذوره وليس حله بطريقة شكلية وهذا يتم بعدة عوامل أهمها يجب أن يكون هناك اتفاق بين الحزب الجهوري والديموقراطي في أميركا على أن الأحزاب المتلونة الازدواجية مثل الإخوان هم بنفس خطورة الجماعات الإرهابية الواضحة مثل داعش أو ممكن أن تكون أشد خطورة بسبب عدم صراحتها وخداعها، وأن من يطلقون على أنفسهم صفة "الإسلاميين المعتدلين" ما هم إلا استغلاليين لا يختلفون عن غيرهم من المتطرفين. على الدول الأربع المقاطعة لقطر أن تقدم نموذجا عمليا بديلا عن النموذج المقتنعة به الجماعات الليبرالية الغربية، وهو نموذج ما يسمى بالإسلام المعتدل أو نموذج لقاح الجماعات المتطرفة كالإخوان، وأن توضح بنقاط أن هذا النموذج كارثي وسيفاقم الإرهاب وأن النموذج البديل هو نشر وتأسيس ثقافة التنوير والعلمانية من خلال حملة توعوية بجميع الوسائل المختلفة من التعليم والإعلام والندوات والمؤتمرات ومؤسسات المجتمع المدني.

ـــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG