Accessibility links

الثورة البلشفية كجملة اعتراضية!


لوحة تظهر لينين وستالين خلفه في معرض "أسطورة القائد المحبوب"

بقلم جمال أبو الحسن/

أشياء كثيرة يُمكن أن تُقال على هامش مئوية الثورة البلشفية التي تحل هذه الأيام. ولأن هذه الزاوية تُعنى بالتاريخ في اتجاهاته الرئيسة وتياراته الممتدة طويلة الأجل، فإن حدث الثورة البلشفية يمثل نموذجاً كلاسيكياً لاختبار هذه الأفكار. السؤال: أين تقع الثورة من التاريخ الروسي الممتد؟ كيف يُمكن أن نرى هذا الحدث -الذي غير العالم كله وليس روسيا وحدها- من زاويتنا نحن، وبمعاييرنا نحن؟

هناك سؤال تقليدي يخص الثورات: متى يُمكن القول بأن ثورة ما نجحت أو فشلت؟

الحكم الشيوعي استمر في روسيا 74 عاماً. هل هذا نجاح أم فشل؟ سؤال صعب. أسرة رومانوف - التي أزاحتها الثورة البلشفية - حكمت روسيا لثلاثة قرون!.

من زاوية معينة؛ تبدو الثورة البلشفية "جملة اعتراضية" في تاريخ روسي مديد. ليست انقطاعاً حاداً كما بدا عليه الحال من مائة عام، أو حتى من خمسين عاماً. ليست تاريخاً جديداً، بقدر ما هي امتداد للتاريخ الروسي في صورته الكلية. في اتجاهاته الكبرى.

روسيا دولة لغز. هي أحجية يلفها الغموض كما قال تشرشل ذات مرة. أهم ما يميزها هو امتدادها الجغرافي الهائل. إنه امتداد يجعل منها مجموعة أمم وليس أمة واحدة: أتراك وسلاف ومغول وفنلدنيون وفايكنغ.. إلخ. الحقيقة الثانية بشأن روسيا هي أنها تقع في أوروبا، ولا تقع في أوروبا في نفس الوقت!

التناقض بين جغرافية روسيا (الأوروبية) وثقافتها وتطورها السياسي (اللذين لا ينتميان لأوروبا) طبع تاريخها عبر ألف عام.

كيف تكونت روسيا؟ تقول الأسطورة التاريخية أن الأمراء السلاف الذي سكنوا المنطقة المحيطة بكييف هم الذين استدعوا محاربي الفايكنغ ليحكموهم. كان ذلك في القرن التاسع. منذ ذلك الحين سميت هذه المنطقة بأرض الروس.

تنطوي هذه الأسطورة على مغزى مهم. هناك مشكلة روسية، قديمة/متجددة، مع نظام الحكم. الروس غير قادرين على صياغة نظام اجتماعي إلا من خلال تفويض حاكم بالسلطة المطلقة. الفايكنغ - بحسب الأسطورة - لم يحتلوا روسيا، وانما تم استدعاؤهم لانقاذ البلد من الفوضى.

نفس الأمر تكرر في 1613 عندما تم استدعاء ميخائيل رومانوف من جانب النبلاء والتجار لكي يتولى السلطة كحاكم مطلق، وينقذ البلاد مما عُرف في التاريخ بـ "زمن الاضطراب" (1598-1613). ليس عجيباً أن يلح رئيس روسيا الحالي "فلاديمير بوتين" على استحضار فترة الاضطرابات هذه (التي شهدت احتلال موسكو على يد البولنديين!) لكي يشبهها بتسعينيات القرن العشرين بكل ما شهدته من فوضى بعد سقوط الحكم الشيوعي. في هذا الاستدعاء التاريخي ما يؤسس للسلطة الملطقة التي حازها ويحوزها بوتين اليوم.

تكرر الأمر مرات ومرات عبر ألف عام من التاريخ الروسي المحمل بالمآسي والاضطرابات والانقلابات. ليس من الصعب أن نميز هذا النمط المتكرر: حكم قوي (مثل حكم إيفان الرهيب، أو بطرس الأكبر.. إلخ) تعقبه حالة من حالات التفسخ والفوضى. ثمة معضلة جوهرية في المنظومة الروسية تتعلق بشرعية السلطة، وكيفية انتقالها. الاجابة الروسية على هذا المعضلة كانت خلق نظام من الحكم الفردي المطلق. ظلت تلك المعضلة باستمرار الحاجز الذي حال دون ولوج روسيا إلى عصر النهضة والتنوير، برغم كل محاولات التحديث المتالية منذ عهد بطرس الأكبر في مطلع القرن الثامن عشر، وصولاً إلى غورباتشوف في خواتيم القرن العشرين.

تاريخياً، تحلق الحكم في روسيا حول رجل واحد هو القيصر. النبلاء (أو البوير بالمفهوم الروسي) يستمدون سلطانهم منه شخصياً. هو الذي يمنع ويمنح. هم صنيعته وليس العكس كما هو الحال في أغلب الممالك الأوروبية منذ عصر النهضة. إن نظام الحكم الروسي الذي وضعه "إيفان الرهيب" في النصف الثاني من القرن السادس عشر (الحكم بالإرهاب والرعب) ظل سارياً حتى الثورة البلشفية في أكتوبر 1917، ثمّ جدد نفسه في مسيرتها "الظافرة"، خاصة في حقبتها الستالينية (1922-1953). ضحايا الحكم الشيوعي ممن فقدوا حياتهم مباشرة على يد الحكم الشيوعي يتراوح عددهم بين 11 و13 مليوناً. يرتفع العدد إلى ما بين 50 و55 مليوناً إذا ما تبنينا معياراً أوسع لمفهوم الضحية.

بالمنظور الواسع؛ لا فرق جوهرياً بين حكم القياصرة وحكم البلاشفة. من بين القاصرة من كان مصاباً بجنون الارتياب ومتجرداً من الضمير الإنساني (إيفان الرهيب قتل ابنه في إحدى نوبات غضبه!). ينطبق الأمر ذاته على رجل مثل ستالين. من بين القياصرة كذلك من كان إصلاحياً حتى النخاع (ألكسندر الثاني الذي ألغى العبودية في 1861)، وينطبق الأمر ذاته على إصلاحي شيوعي مثل خورتشوف أو غورباتشوف. الاختلافات تتعلق بالشخصية والطموح والتوجهات، أما جوهر النظام فهو واحد في روسيا القيصرية والبلشفية!

جوهر هذا النظام، كما أشارت مجلة الإيكونوميست في ملف أعدته بمناسبة مرور مائة عام على الثورة البلشفية تحت عنوان لافت: A Tsar is born (أو مولد قيصر)- هو توزيع الموارد الاقتصادية كهبات تمنح من أعلى، من الحاكم. النظام الروسي هو هرم من الولاء ينتهي عند الراعي الأكبر؛ القيصر. القيصر اليوم هو بوتين. هو يحكم بنفس الطريقة. منذ بداية الألفية استطاع بناء شبكة محكمة من الولاء والسيطرة شملت الاوليغاركيين والإعلاميين. تلاحظ الإيكونوميست أن مثل هذه المنظومة لا يمكن فرضها على المجتمع، بل لابد أن يقبل بها. ربما يفسر هذا معدلات الشعبية الهائلة التي يحظى بها بوتين والتي تتجاوز 80%.

على أن الرئيس الروسي يواجه ذات المعضلة التي واجهها النظام الروسي عبر تاريخه. الحكم المطلق الشخصي مهما بلغت قوته مآله إلى زوال. هو يرتبط بشخص القيصر، ويتحلل بغيابه. ماذا سيصير حال روسيا عندما تنتهي ولاية بوتين الأخيرة التي تبدأ في 2018؟ لا شك أن بوتين لن يكون سعيداً بالإجابة التي يطرحها التاريخ على هذا السؤال.

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG