Accessibility links

صورة المملكة السعيدة


مشهد من العاصمة السعودية الرياض

بقلم كوليت بهنا/

مع بدء قص الحكايات قبل النوم، يرسم الطفل في مخيلته صورة زاهية لمعالم المملكة التي تُحكى عنها القصص المشوقة، فتبدو كمكان يشبه الجنان، أشجارها تتدلى منها الأحجار الكريمة وقصورها ذات قباب ذهبية، يحكم فيها ملك عادل وملكة جميلة جداً ذات شعر منسدل تنجب أمراء وأميرات يرتدون الحرير والفراء، ويضعون تيجاناً ذهبية مرصعة بالماس، مملكة يعيش شعبها برخاء حياة سعيدة ورغيدة تغرد فيها العصافير ليل نهار.

ولأن السعودية هي المملكة الوحيدة الأقرب إليك جغرافياً وأنت طفل، ستطبق عليها عن بعد صورة المملكة السعيدة، تتوافق مع معالم المملكة المثالية المطبوعة في مخيلتك، وتراقب الشبان يتهافتون للسفر إليها وهم يحلمون بالثروات والأحجار الكريمة التي تتدلى من الأشجار. لكنك حين تنصت بعد حين لحكايات العائدين في الإجازات الصيفية، ستلمح تعباً مخفياً في أرواحهم وهم يصفون ما رأوه من قصور ذهبية، وأمراء يقتنون كل ما هو باهظ الثمن ومرصع بالماس. وحين تتحمس وتسأل عن جمال الملكة ذات الشعر المنسدل، يصمتون. حينها ستكتشف أن لا ملكة تظهر في الصورة هنا، ولا يعيش كل الشعب حياة رغيدة. هنا مملكة تعاقب المذنبين بقطع الأيدي والرقاب والرجم والجلد. (المطاوعة) يلاحقون الناس بالعصي وكأنهم ديّانو الآخرة. النساء تحت السواد غائبات عن المشهد العام إلا في الأماكن المخصصة لهن. مملكة لا يضعها سياح العالم ضمن مخططاتهم، عدا عن أن السفر إليها محكوم بشروط تعجيزية تتعلق بالجنس والدين. مملكة ساهم في إعلاء بنيانها في السبعين عاماً التي خلت، كل وافد عربي أو غير عربي، يتحكم برقبته (الوكيل) القادر على طرده خارج البلاد دون أية تعويضات أو اعتذارات. مملكة بثقلها الديني والمالي لها يد طويلة في التأثير بسياسات دول المنطقة، في ثناياها يتخفى الفكر المتطرف، ومنها يخرج وينتشر إلى العالم برمته.

تلك باختصار صورة المملكة السعودية التي صدرتها للعالم خلال عقود، ومن الواضح أن ما يحدث اليوم وما يرد من أخبار مثيرة يندرج ضمن محاولة تصحيح الصورة السلبية أو استبدالها جذرياً بأخرى جديدة ومثالية. واستناداً للمعطيات والمؤشرات التي تتالت في العامين الأخيرين، وتصاعدت وتيرتها مؤخراً، يمكن تفسير ما يحدث على أنه خطوات تصعيدية تندرج ضمن (رؤية السعودية 2030)، يبدو بعضها ملحّاً كمحاربة الفساد الذي ينمو تحت مظلته فطر التطرف السامّ، كما ينمو في ظله (السوس) الذي ينخر في هيكل الدولة ويهدد بسقوطها.

رحلة الألف ميل نحو مملكة- دولة عصرية تضاهي كبريات دول العالم، ابتدأت بمؤشرات عدة أشبه بالصدمات والتحديات في عمق المجتمع وأفرزت القرار الأخير بقيادة المرأة للسيارة، أو البدء بالإصلاح في المؤسسة الدينية أو السماح بأمور كانت محرمة مثل إقامة حفلات الموسيقار العالمي(ياني) قريباً، أو حفلات النجم العربي كاظم الساهر، كذلك السماح ببث أغاني أم كلثوم وعبد الحليم حافظ. مؤشرات قد تبدو للبعض قشوراً، لكن نجاحها على الأرض مقياس لاحتياجات المجتمع الوجدانية وما يمكن أن تلعبه الفنون من تأثير في الدفع نحو انفتاح أشمل.

رؤية حداثوية شاملة، إن لم نقل إنها حركة تصحيحية تمهد لمجتمع ما بعد النفط، يمكن توصيفها بمحاولة استعادة صورة المملكة الايجابية المشرقة وإعادة الهيكلة بحسب المخططات الاستراتيجية وليس بحسب الأماني والأحلام، وإن كانت الأحلام المحرض الأهم للابتكارات البشرية. رؤية تترافق بتطورات قد تحفل بمفاجآت قادمة مشتهاة كاحتمال ظهور ملكة إلى جانب ملك، في مملكة عصرية يغرد فيها تويتر ليل نهار. مملكة سترتبط سعادتها جذرياً بجرعات الحريات المعطاة، هي التي قال من أرضها الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب: " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟".

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG