Accessibility links

السعودية والحريري.. التأزم!


رئيس الوزراء سعد الحريري يحيي مناصريه عند وصوله بيروت بعد أزمة بقائه في السعودية نوفمبر الماضي

بقلم فارس خشّان/

هل خرج سعد الحريري، رئيس الحكومة اللبنانية، من المحور السعودي الذي طالما انتسب إليه؟

هذا السؤال ليس جديدا أبدا. كان يتردد، بصوت خافت منذ جلوس الأمير محمد بن سلمان على "عرش" ولي العهد في المملكة العربية السعودية، حاملا معه استراتيجية المواجهة المفتوحة مع إيران.

إلا أن هذا السؤال، بدأ يتردد، بصوت عال، منذ "تحرير" الحريري من "إقامة الاسبوعين" في الرياض، فتراجعه عن استقالته، فتأكيداته اللافتة أن مشاركة "حزب الله" في الحكومة " توفر الاستقرار"، ولذلك ستكون هذه المشاركة مطروحة عند تشكيل أي حكومة.

وتعاكس هذه التأكيدات الحريرية التوجه السعودي الذي يقول إنّ "حزب الله"، بوصفه "تنظيما إرهابيا"، يجب ألا يكون جزءا من الحكومة اللبنانية، وإلا فإن حكومة لبنان تتحمل مسؤولية أفعال "حزب الله".

ولم يتأخر الرد السعودي، إذ أفرد إعلامه مساحة تعبير "نادرة" لمهاجمي الحريري، خصّصها للموظفين السابقين في شركة "أوجيه السعودية" المقفلة التي لم تتمكّن، حتى تاريخه، من تسديد المتأخرات المتوجبة عليها لهؤلاء.

وكان وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، وهو صديق قديم لرئيس الحكومة اللبنانية، قد أخذ علنا على الحريري أنّ "حزب الله" ومعه الرئيس اللبناني ميشال عون، قد "استعملاه"، من أجل التوصل إلى قانون انتخابي يسمح للحزب ببسط سيطرته على المجلس النيابي اللبناني وتاليا على المؤسسات اللبنانية.

وكان الحريري قد سعى، مرارا، وعندما كان لا يزال مأخذ الجبير في "أمانة" المكاتب المغلقة، إلى الرد على هذا "المنحى الاتهامي" بالتأكيد أن كل كلام على سيطرة "حزب الله" على المجلس النيابي الجديد، ليس سوى مزاعم تشبه المزاعم التي سبقت دورة انتخابات العام 2009، إذ كان يعتقد آنذاك، وعلى نطاق واسع أن "حزب الله" وحلفاءه سوف ينتزعون الأغلبية النيابية من تحالف ١٤ آذار، لكن نتائج الانتخابات كذّبت التوقعات والدراسات.

إلا إن الحريري، وبعد كلام الجبير المعلن، لم يعد يُكثِر من إثارة هذه المسألة، لأن التعمّق فيها قد يُظهر أن معطيات العام 2009 القانونية والسياسية والشعبية والمالية، تختلف جذريا عن المعطيات التي ستجري في ظلها الدورة الانتخابية المقررة في أيار/ مايو 2018.

ومهما كان عليه الأمر، فمن الواضح أن الحريري في واد والمملكة العربية السعودية في واد آخر.

ووفق تقاطع ما يهمس به المتحركون في الكواليس الحريرية - على قلّته - يتّضح أنّ الحريري يلتزم بتكتيك يتنافر مع التكتيك السعودي، فهو، وعلى سبيل المثال لا الحصر، يعمل وفق المعطيات الآتية:

أوّلا، يريد الحريري أن يبقى في منصبه الحكومي الرفيع، أكثر وقت ممكن، مستفيدا من تفاهمه السلطوي العميق مع رئيس الجمهورية ميشال عون الذي أعلن، خلال أزمة "إقامة الرياض"، أنه أتى إلى الرئاسة مع الحريري ويريد أن يبقى فيها معه.

ثانيا، إنّ أيّ تفاهم مع عون يصبح مستحيلا إذا لم يترافق مع "فك اشتباك" مع "حزب الله"، الأمر الذي يقتضي إبقاء الحال على ما هي عليه، أي أنّه يستحيل اشتراط تراجع "حزب الله" نحو نقاط تلاق، بل القبول ببقاء لحزب في نقاط "اللا تلاقي"، والاكتفاء بربط نزاع في شأنها.

ثالثا، إن شاغل منصب رئيس الحكومة، وهو الملتزم الأول بتطبيق سياسة النأي بالنفس، يستحيل أن يشتبك مع طرف إقليمي لمصلحة طرف إقليمي آخر، لذلك يصبح ملزما بإبعاد كل تهجم على إيران، محقا كان أم غير محق، عن أدبياته وسلوكه.

رابعا، أن البقاء في منصب رئيس الحكومة لا يفترض حصول الحريري على كتلة نيابية كبيرة، بل يكفيه أن يكون، في المقاييس البرلمانية، الأقوى في طائفته، بمعنى أن يتمكن لوحده من الحصول على نصف التمثيل المقرر للطائفة السنية، الأمر الذي يعطيه مشروعية التحالف توافقيا مع الأطراف الأخرى صاحبة الحضور النيابي، وهذا يحتاج، بطبيعة الحال، إلى عدم ممانعة "حزب الله".

خامسا، سعي الحريري الجاد والحاسم إلى الإمساك بكل ما يمكن من أدوات سياسية وسلطوية، ولهذا السبب فهو يهمّش "الفاتحين على حسابهم" أو من يمكن أن يراهن عليه كل من يستهدفه.

ولكن، هل يعني ذلك أن الحريري يتعاطى مع السعودية كطرف معاد؟

لا، بالتأكيد لا.

السعودية بالنسبة للحريري هي ضرورة استراتيجية، لأنّها ضامن اقتصادي ومالي، وحاضن إقليمي ودولي، وامتداد عاطفي وشخصي في آن.

لكنّ الحريري، وفق تفسيرات العارفين، يأخذ على القيادة الحالية للملكة تطلعات لم تعد تناسب الواقع اللبناني، فالدعوة إلى مواجهة "حزب الله" تضرب استقرارا هشّا على كل المستويات: أمنيا واقتصاديا وماليا وخدماتيا.

كما أنّ هذه الاستراتيجية السعودية تُعتبر استراتيجية جديدة وتتناقض كليا مع الاستراتيجية التهدوية السابقة التي على أساسها وضع الحريري قواعد سياسته الداخلية.

كم أن التطلع السعودي الاستنفاري يأتي، في وقت حرج جدا بالنسبة للحريري، إذ كيف يُعقل استدعاؤه إلى مواجهة صعبة، في وقت كان يقف عاجزا عن دفع الرواتب المستحقة لموظفيه، وحتى، فِي كثير من الأحيان، لحراسه الشخصيين.

نظرة الحريري، والحالة هذه، مختلفة كليا عن نظرة القيادة السعودية.

بالنسبة إليه، لا بد من التعامل مع الواقع اللبناني باستراتيجية تهدئة، لأن استراتيجية المواجهة لن تنتج إلا مزيدا من الخسائر، في حين أن التهدئة ستسمح للطرف الضعيف أن يكتسب مناعة، تُعينه حين تدق ساعة الحلول الإقليمية، على حصد نتائج معقولة.

كما السعودية هناك أطراف محليون يخالفون الحريري نظرته، ويعتقدون بأنه يستسلم لـ"حزب الله"، باتباع هذا "المنطق التبسيطي الذي سبق واختاره لبنان وأنتج الويلات على أمن القيادات كما على استقرار البلاد ومصالح العباد".

إلا إن الحريري، وكما هو واضح مصرّ على نهجه، ولا يبدو أنّه وحيد في ذلك، فإلى جانبه لا يقف عون ووليد جنبلاط فقط، بل مجموعة دولية تتقدمها فرنسا، أيضا.

وبالنسبة لأكثر من مرجع ومراقب، فإنّ النهج المناهض للحريري يفتقد إلى أدوات النجاح في المواجهة، لأنّه يفتقد إلى طرف سني قوي كما إلى طرف درزي فاعل، كما إلى تجمع أقوياء المسيحيين، كما كان حاصلا بالنسبة لمناهضة الوصاية السورية ولاسيما في سنوات "الإنقاذ الحاسم".

وانطلاقا من كل ذلك، فإنه يمكن القول، بأنّ الحريري يتطلّع إلى أن تدفع هذه المعطيات الميدانية، آجلا، القيادة السعودية، ببراغماتية، إلى إعادة النظر في تطلعها إلى الواقع اللبناني، وتُعيد تسليم "الوكالة الحصرية" إلى الحريري بعدما سحبتها منه.

هل هذا ممكن؟

في التجربة اللبنانية الشيء وعكسه ممكنان.

حتى الآن، يتّضح أنّ الحريري يملك أدوات "استراتيجية التهدئة"، فيما لا تملك السعودية ما يُعينها على تحقيق أي ربح صاف من خلال تطبيق "استراتيجية المواجهة".

ـــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG