Accessibility links

قراءة في حراك 15 سبتمبر بالسعودية


عنصران في الشرطة السعودية- أرشيف

بقلم منصور الحاج/

أثارت دعوات تطالب المواطنين في السعودية بالخروج والاحتجاج ضد النظام في يوم 15 سبتمبر الماضي قلق السلطات السياسية والدينية في المملكة، كما جذبت انتباه وسائل الإعلام التقليدية والتفاعلية حول العالم. واستحوذ وسم #حراك_15_سبتمبر على أعلى نسبة تغريدات في العالم العربي لعدة أيام، وقد شارك فيه ملايين المؤيدين والمعارضين الذين أدلوا بآرائهم المتضاربة. ففيما شرح دعاة الحراك والمؤيدون له الأسباب التي دفعتهم إلى تنظيمه والأهداف المرجوة منه، أمعن المعارضون له في التشكيك في نوايا من يقفون وراءه متهمين كل المؤيدين له بالعمالة لإيران وقطر وحركة الإخوان المسلمين وبالسعي لنشر الفتنة وزعزعة الأمن والاستقرار في البلاد.

واستند الداعون للاحتجاجات إلى ما وصفوه بـ"تغير" في سياسة الحكومة السعودية تجاه الإحتجاجات السلمية وذلك بناء على تغريدة للمستشار في الديوان الملكي سعود القحطاني حذر فيها السلطات القطرية من المساس بالمتظاهرين السلميين في قطر. وبيّن الداعون إلى الحراك أن الأسباب التي دفعتهم لإعلانه والأهداف التي يرجون تحقيقها تتمثل في الضغط على السلطات من أجل إيجاد حلول لمشكلة الفقر والبطالة وأزمة السكن وانتشار الجرائم ووقف الظلم الذي تتعرض له النساء والفئات الضعيفة وإطلاق سراح المعتقلين وإنهاء الفساد المالي والإداري في البلاد.

من جانبها استنفرت السلطات السعودية كل أجهزتها الأمنية فبدأت بحملة اعتقالات غير مسبوقة طالت أمراء ورجال دين ومفكرين واقتصاديين وإعلاميين أبرزهم الداعية الشهير الشيخ سلمان العودة وعوض القرني وحسن المالكي، كما كثفت الدوريات الأمنية تواجدها في الشوارع والأماكن العامة.

إعلاميا، حشدت السلطات في السعودية رجال الدين من داخل وخارج هيئة كبار العلماء بقيادة المفتي العام عبد العزيز آل شيخ الذي حذر من الحراك واعتبره من "دعوات الجاهلية والضلال" في مداخلة هاتفية أدلى بها لبرنامج "معالي المواطن"، فيما خصص أئمة المساجد في البلاد خطب الجمعة للتنديد بالحراك والتحذير منه ووصف إمام المسجد الحرام الشيخ سعود الشريم حراك 15 سبتمبر بأنه "لقيط" وكتب في تغريدة نشرها على حسابه بموقع تويتر بأن "الذين ينفخون لحراك لقيط إنما ينفخون في غير ضَرَم؛ لأن من نما في حضن هذا الوطن المسلم لن يقبل أن يكون نائحة مستأجرة في وجوه أهله وبني مجتمعه". وأطلقت السلطات العنان لآلاف المغردين المعروفين بتأيدهم المطلق لكل سياسات الحكومة وقراراتها فنشروا آلاف التغريدات المعارضة لدعوات الخروج والاحتجاج وتغنوا بنعمة الأمن والاستقرار داعين الله أن يحفظ ولاة الأمر ويسدد خطاهم ويبعد عنهم مؤامرات المتآمرين وحقد الحاقدين.

إن من المدهش أن تثير دعوة للخروج والاحتجاج بصورة سلمية تم إطلاقها عبر موقع "تويتر" كل هذا الاهتمام والحشد الأمني والإعلامي غير المسبوق في تاريخ السعودية، الأمر الذي يثير العديد من التساؤلات والشكوك. وقد ذهب بعض المحللين إلى أن السلطات السعودية هي من أطلقت دعوات الخروج لحراك 15 سبتمبر أو على أقل تقدير قامت بتضخيمه إعلاميا من أجل استغلاله لتصفية حساباتها مع من اختاروا الصمت ولم يستجيبوا لمطالب السلطة لهم في اتخاذ موقف تأييدي للحصار التي تفرضه المملكة ودولة الإمارات والبحرين ومصر ضد قطر. فيما ذهب آخرون إلى أن الاستنفار الأمني والإعلامي بعد دعوات حراك 15 سبتمبر كان نسبة لمعلومات استخباراتية تفيد بوجود خطة لتغيير النظام في السعودية قد يقف خلفها أمراء يعارضون عزل الأمير محمد بن نايف من منصب ولي العهد وتعيين الملك سلمان لابنه محمد بدلا عنه تمهيدا لإعلانه ملكا على البلاد. فريق ثالث ذهب إلى أبعد من ذلك، إذ اعتبر أن الهدف من اهتمام السلطات بالحراك جاء لتغطية الفشل الذريع لسياسات الحكومة الخارجية كالحرب في اليمن والصراع ضد قطر الذي طال أمده ولم يحقق أهدافه.

وبغض النظر عن الجهة التي تقف خلف الحراك وعن الأسباب الحقيقية لحملة الاعتقالات الواسعة التي شنتها السلطات السعودية والاستنفار الأمني الكثيف الملاحظ في المدن الكبرى، فإن حراك 15 سبتمبر الذي أيده العديد من النشطاء والمعارضين السياسيين المتواجدين خارج البلاد قد كسب اهتماما إعلاميا واسعا واستطاع تسليط الأضواء على العديد من القضايا التي تهم شرائح كبيرة من المواطنين كالظلم والفساد واحتكار السلطة وتبديد المال العام والفقر والبطالة.

لقد كشف الحراك أن غالبية من وقفوا ضده يهتمون بمصالحهم الشخصية أكثر من حرصهم على بناء وطن يسع الجميع ويتمتع فيه جميع المواطنين والمواطنات بغض النظر عن الجنس أو اللون أو الطائفة، بالحقوق السياسية والمدنية الكاملة كحق التصويت والترشح والوصول إلى أعلى المناصب. إن من المخجل أن يرى رجال الدين أن حراك 15 سبتمبر هو دعوة للفتنة في الوقت الذي يدركون فيه أن الظلم واحتكار السلطة والفساد والقمع ومنع الناس من التعبير هي أبرز الأسباب التي دفعت الشعوب إلى الثورة على أنظمتها في كل من مصر وتونس وليبيا والبحرين وسورية واليمن.

إن من الطبيعي أن يختلف الناس ويعارض بعضهم بعضا فلا يخلو بيت أو مجلس من الآراء المتعارضة، ومن غير الطبيعي أن يتم قمع صاحب الرأي المخالف من قبل الطرف الذي يملك القوة والسلطة، لكن الأخطر من ذلك هو أن يؤيد جمهور كبير من الشعب عمليات القمع والاعتقال والتعذيب والتصفية وأن يتم تخوين كل صاحب رأي مخالف للسلطة. فبدلا من أن ينصح الكتاب والمثقفون والدعاة السلطات بضرورة إطلاق سراح المعارضين السياسيين والحوار معهم بدلا من اقصائهم، وبدلا من أن يعارضوا عمليات القتل والخطف التي ارتكبتها السلطات بحق أمراء من الأسرة الحاكمة بسبب مواقفهم المعارضة، نرى للأسف الشديد أنهم يؤيديون السلطة ويدينون من قرروا الصمت ويتهمونهم بالعمالة والخيانة.

وبدلا من الاهتمام بمعالجة القضايا التي تهم المواطنين في البلاد وبدلا من الاستجابة لمطالب الشعب المشروعة كحقوقه السياسية والمدنية وحرية التعبير والاجتماع والاحتجاج على الظلم والفساد وتبديد الأموال من أجل تقوية اللحمة الداخلية ولقطع الطريق أمام كل الجهات والدول والكيانات التي تهتم بمصلحتها في المقام الأول ولعدم منحها فرصة لاستغلال ضغاف النفوس من المواطنين الذين بلغ منهم اليأس مبلغا، تنفق السلطات السعودية ملايين الدولارات في الحملات الإعلامية المضادة وعلى مراكز العلاقات العامة في الغرب من أجل تحسين صورتها في الخارج. يعيب أنصار السلطة على المواطن اعتراضه على التجاوزات الواضحة وضوح الشمس ويتهمونه بالخيانة، أما التقارير والأخبار التي تتناول تجاوزات السلطات من اعتقالات وتصفيات وفساد فإنهم يمرون عليها مرور الكرام.

يحذرون المواطن المغلوب على أمره من المطالبة بحقه ثم يصمتون على جرائم القتل التي يرتكبها النظام وعلى اعتقال المواطنين بدون أسباب وعلى تبديد الأموال في المغرب وجزر المالديف والعواصم الأوروبية، وكأن كل تلك التجاوزات أمور لا تجلب الفتن وعلى الشعب قبولها بصدر رحب وعدم الاعتراض عليها وتكرار عبارة "الله لا يغير علينا".

إن الشعب السعودي لا يختلف عن غيره من شعوب العالم التي تتطلع للحرية والعدالة والمساواة، فالسعوديون - وأغلبهم من الشباب المتعلم المتابع لما يجري حولهم - يعون ما يدور في وطنهم من ظلم وفساد وانتهاكات واحتكار للسلطة ولن تنطلي عليهم حيل وتحذيرات المأجورين من كتاب وإعلاميين ورجال الدين الذين يرون أن موافقة الحاكم في كل سياساته وقراراته هو الطريق الوحيد للأمن والاستقرار، وأن انتقاد السلطات والمطالبة بالحقوق هو باب الشر والحروب والفتن.

إن الاستثمار في العدل أقل تكلفة من تبديد الأموال في شراء الضمائر ومحاولة إخراس الأصوات المعارضة بالقمع والقوة وقد باءت كل محاولات الأنظمة الدكتاتورية عبر التاريخ للبقاء في السلطة رغم أنف الشعب بالفشل.

إن حراك 15 سبتمبر ليس الأول ولن يكون الأخير فستتوالى الحراكات إلى أن تتحقق المطالب المشروعة لأبناء وبنات الشعب في الحرية والمساواة والعدالة الإجتماعية وإنهاء احتكار فئة معينة للسلطة ووضع حد للفساد المالي والإداري وتبديد الأموال بلا رقيب أو حسيب. ستتواصل الدعوات للخروج والاحتجاج حتى يصبح هذا الوطن ملكا لكل أبنائه مهما اختلفت أشكالهم وتعددت أفكارهم ورؤاهم ومذاهبهم، وسيذهب الطغاة وأعوانهم وأنصارهم إلى مزبلة التاريخ غير مأسوف عليهم.

ـــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG