Accessibility links

أنظار العالم تتجه صوب الرياض


ولي العهد السعودي محمد بن سلمان

بقلم عريب الرنتاوي/

ما يجري في الرياض من تحولات وتطورات، وما يصدر عن عاصمة المملكة العربية السعودية من مواقف وسياسات، يكاد يستحوذ على جل اهتمامات عواصم الإقليم، بل والعالم. وفي بعض الساحات كاليمن ولبنان وفلسطين، تكاد حكومات هذه الدول وشعوبها أن تحبس أنفاسها بانتظار الخطوة السعودية التالية ... الرياض باتت مصدر الخبر وقبلة لأنظار المراقبين والسياسيين والإعلاميين على حد سواء.

منذ تأسيس المملكة السعودية الثالثة في العام 1932، لم تشهد البلاد صراعاً محتدماً على السلطة كما ظل يحصل منذ رحيل الملك عبد الله بن عبد العزيز في يناير 2015 وحتى اليوم. ولم تعرف البلاد زعيماً جمع بين يديه بكل هذا القدر من الصلاحيات وأوراق القوة، مثلما يفعل اليوم ولي العهد السعودي الأمير الشاب (32 سنة) محمد بن سلمان. المملكة التي اشتهرت بسلاسة توارث الحكم والملك و"توافقيته"، لم تعرف الهدوء منذ أعوام ثلاثة.

الملك سلمان، وهو آخر الملوك المحسوبين على جيل الأبناء من سلالة الملك المؤسس، آثر بعيد توليه مقاليد الحكم، نقل التسلسل في هرم الحكم من أخيه الأمير مقرن إلى محمد بن نايف، على أن يحل ابنه المفضل محمد بن سلمان في الترتيب الثالث، لكن الأخير بدا مستعجلاً تماماً ،فأطاح بابن عمه، رجل السعودية الأمني القوي (يونيو 2017)، وها هو يطيح بركن أساسي من أركان الحكم والمنظومة العسكرية الأمنية التي قامت عليها المملكة، متعب بن عبد الله، وزير الحرس الوطني، والرجل الذي ترددت كثير من المعلومات عن قرب اعتلائه سدة العرش السعودي خلفاً لوالده الراحل.

لكن حماسة الأمير الشاب لتنظيف البيت الملكي ومؤسسة الحكم والمال في الدولة الثرية، من كل خصومه ومعارضيه، بلغت ذروتها قبل بضعة أيام، عندما أطاح، دفعة واحدة، بعشرات الأمراء الكبار والوزراء السابقين وكبار رجال الأعمال السعودية من أبناء الأسرة والعائلات السعودية النافذة، وبتهم تتعلق بالفساد والثراء غير المشروع وتبييض الأموال واستغلال السلطة والنفوذ.

قبلها، كان ولي العهد الجامح، يحمل على رموز المؤسسة الدينية السلفية الوهابية المتشددة، ويهمّش صلاحياتها، ويزج بعشرات من شيوخ "الصحوة" من أصحاب الميول الإخوانية ورموزها في السجون والمعتقلات، ويصدر عشرات القرارات بمنع جميع هؤلاء من السفر وتقييد حركتهم، متعهداً بـ "تدميرهم" ومبشراً بنوع جديد من الإسلام المتسامح والمعتدل الذي يتعين أن يسود في المملكة.

وإذ تزامنت هذه "الانقلابات المتلاحقة" داخل بيت الحكم والمال في المملكة، مع تزايد انخراط المملكة في عدد من الحروب والأزمات الإقليمية (اليمن، سوريا وقطر)، فقد أثارت في الوقت نفسه، الكثير من الأسئلة والتساؤلات حول قدرة الأمير محمد بن سلمان على خوض مواجهات ضارية على جبهات داخلية وخارجية متعددة، ونجاحه في وقت قصير نسبياً، في استعداء أجنحة وازنة من العائلة الحاكمة والعائلات القوية في المملكة، فضلاً عن استثارة غضب المؤسسة الدينية الرجعية والأوساط الاجتماعية المحافظة، في دولة لم تشتهر يوماً في تاريخها، بتقلباتها السريعة داخلياً أو بسياسات خارجية من النوع الاقتحامي والهجومي.

كثيرٌ من المراقبين يساورهم الشك في قدرة الأمير على مواصلة هذه السياسات "الانقلابية والاقتحامية"، لكن بعضهم يعتقد أن الأمير يستند في مسعاه "التغييري" إلى طبقة من الليبراليين السعوديين الذين تلقوا تعليمهم في الخارج، وإلى ملايين الشبان السعوديين الذي أصابهم اليأس والإحباط من "ركود" نظامهم السياسي وتغوّل الأمراء على مراكز السلطة والثروة، وأخذوا ينظرون ببعض الأمل إلى الإجراءات الأخيرة، بالرغم من طابعها الصادم وغير المألوف.

والمؤكد أن الأمير الشاب، بحسب المراقبين، يستند كذلك، إلى دعم غير محدود من صديقه الشيخ محمد بن زايد رجل الإمارات العربية القوي، والذي يشاطره الرؤى والمواقف ذاتها، كما أنه يحظى بدعم يبدو أنه غير مشروط، من قبل الإدارة الأميركية، بل ومن قبل الرئيس ترامب شخصياً، حتى حين يتعلق الأمر بالإجراءات التي اتخذها ضد أمراء ومسؤولين ورجال أعمال سعوديين.

على أن تطورات الداخل السعودي، ليست وحدها ما يقلق المسؤولين وصناع القرار في العواصم الإقليمية والدولية ذات الصلة، فالأمير الذي اشتهر بمواقفه العدائية حيال إيران، وهدد بنقل المعركة ضدها إلى "الداخل الإيراني"، ولم يتورع عن قتالها في اليمن، وحصارها في قطر، وفقاً لتعابير مصادره ووسائل إعلامية، يبدو عازماً على توسيع ساحات المواجهة مع إيران في الإقليم، ولعل الاستقالة الصادمة التي تقدم بها رئيس الحكومة اللبنانية سعد الدين الحريري من الرياض، وسط أنباء عن إرغامه على تقديمها من قبل ولي العهد السعودي، تشكل شاهداً على تنامي الاستعداد السعودي لملاقاة إيران ومواجهتها، في ساحات نفوذها وتأثيرها، ويعيش اللبنانيون أشد لحظات القلق والتحسب من تحول بلادهم إلى ساحة مفتوحة لـ "حرب الوكالة" ببين القطبين الإقليميين: إيران والسعودية.

كما تعكس الزيارة المفاجئة التي قام بها الرئيس الفلسطيني محمود عباس للرياض، رغبة المملكة في محاصرة حركة حماس بعد التقارب الأخير بين الحركة الإسلامية الفلسطينية وكل من إيران وحزب الله، حيث تقول المصادر الفلسطينية المطلعة، إن السعودية التي رحبت بالمصالحة التي توسطت فيها مصر بين فتح وحماس، عبرت عن قلق عميق من تقارب حماس الأخير مع إيران وحزب الله، وحثت الرئيس الفلسطيني على بسط سلطته على قطاع غزة، وعدم السماح لقطاع غزة بأن يصبح "لبنان ثانيا" وهي ذات المفردات التي تستخدمها المملكة في وصف نفوذ الحوثيين في اليمن.

والحقيقة أن ثمة مخاوف لدى أصدقاء السعودية في كل من الأردن ومصر، من انعكاسات السياسات السعودية التصعيدية في عدد من الساحات العربية، وعدم قدرة هؤلاء الأصدقاء على "مجاراة" المملكة في سياساتها الاقتحامية والهجومية. فمصر تخشى انهيار المصالحة الفلسطينية التي توسطت بها وعملت عليها، كما تخشى انفجار الوضع اللبناني، وانهيار ترتيبات "خفض التصعيد" في سوريا، والتي كانت طرفاً فيها، برغم غيابها عن مسار "أستانا"، كما أن الأردن المحاصر بقوس من الأزمات والتهديدات، لا يجد مصلحته في اشتعال الإقليم بنيران "حروب الوكالة" وهو يفضل المقاربات التي تنزع للتهدئة ومنع التدهور والحلول السياسية التفاوضية لجميع أزمات المنطقة، خشية امتداد حريق الإقليم إلى الداخل الأردني.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG