Accessibility links

ما لا يقال عن العنصرية في السعودية


عمال أجانب يقفون أمام دائرة الهجرة في الرياض، أرشيف

بقلم منصور الحاج/

تنشط في مواقع التواصل الاجتماعي العديد من الحملات التي تعادي الأجانب وتطالب بطردهم من السعودية باعتبارهم تهديدا للأمن القومي، وتحملهم مسؤولية تفشي البطالة في البلاد وتتهمهم بتشويه صورة البلاد. وعلى الرغم من أن هذه الحملات التي تحظى بتأييد آلاف الأشخاص لا تختلف عن ظاهرة كراهية الأجانب وخاصة المسلمين في بعض المجتمعات الغربية التي ترفعها بعض الجماعات والأحزاب اليمينية المتطرفة، إلا أنها لا تحظى باهتمام السلطات السياسية ووسائل الإعلام ونادرا ما يتطرق لها الكتاب والصحفيون في السعودية.

فوسم "السعودية للسعوديين" الذي لا يختلف كثيرا عن الشعارات العنصرية التي يرفعها المتشددون في الغرب، حافل بالتغريدات المعادية للأجانب والتي تروج لكراهيتهم وتبرر التمييز ضدهم بدون استثناء حتى لأبناء المواطنات السعوديات والمواليد وأبناء القبائل الذين لا يختلفون من ناحية الثقافة والعادات والتقاليد عن المواطنين. وبحسب الحساب الخاص بالحملة على موقع تويتر فإن جماعة "السعودية للسعوديين" يطمحون إلى أن تكون السعودية "خالية من الوافدين" ويهدفون إلى إنهاء "احتلال" الأجانب للوظائف المهمة كما يتهمون الأجانب بتدمير السعودية.

وبالإضافة إلى الحملات التي تستهدف الأجانب بخطاب عنصري بغيض، هناك حملات تستهدف السعوديين الذين ينحدرون من أصول آسيوية أو إفريقية ويتركز وجودهم في منطقة الحجاز. فوسم "هوية الحجاز" على سبيل المثال، يقلل من شأن العادات والتقاليد لأهالي الحجاز كبعض الأزياء التي يرتديها الحجازيون ورقصة المزمار وانتماء البعض للطرق الصوفية ويشكك في وطنيتهم بدعوى أنهم وافدون ولا ينتمون إلى قبائل المنطقة.

وبمتابعة الوسم على موقع تويتر يلاحظ أن هناك إصرارا من قبل أبناء القبائل الحجازية على أنهم الممثل الوحيد للتراث الحجازي وأن المكونات الحجازية الأخرى دخيلة ولا علاقة لها بتاريخ المنطقة ولا تراثها بطريقة استعلائية وتقليل من شأن الآخرين بأسلوب عنصري.

إن خطورة مثل هذه الظواهر الاجتماعية تتجلى في مساهمتها في تفكيك النسيج الاجتماعي وتقوية النعرات القبلية والتمييز بين شرائح المجتمع. إن تجاهل هذه الظاهرة من قبل السلطات يمكن تفسيره على أنه مباركة وتأييد فتشعر مكونات المجتمع الأقل حيلة ونفوذا بالتهميش والضعف الأمر الذي يساهم في تعزيز الطبقية في المجتمع، بل يذهب البعض إلى أن السلطات السعودية نفسها هي من تبث الفرقة بين شرائح المجتمع وضرب بعض مكوناته ببعضها بحسب سياسة "فرق تسد".

أما التجاهل الإعلامي لمثل هذه الظواهر فإنه أيضا يساهم في تعزيزها واعتبارها تصرفات مقبولة اجتماعيا بدلا من التشديد على رفضها وتبيان مخاطرها على الأفراد والمجتمعات. فالإعلام بحكم كونه سلطة رابعة بإمكانه سد الفراغ ومكافحة مثل هذه الظواهر الاجتماعية والتصدي لها والتشديد على ضرورة إيجاد حلول تشريعية لها قبل فوات الأوان.

ويمكن للإعلام التصدي لمثل هذه الظواهر بطرق مختلفة كتناولها بطريقة مباشرة وانتقاد مؤيديها وتشنيع تصرفاتهم، أو بطريقة غير مباشرة من خلال إبراز أهمية التعددية الثقافية في تعزيز اللحمة الوطنية بين مختلف الشرائح الاجتماعية في مناخ ودي وبصورة حضارية وتخصيص منابر وبرامج إذاعية وتلفزيونية تشجع التنوع وتدعم الإبداع.

ربما أكون قاسيا في حكمي حين اتهم الإعلام بتجاهل الظاهرة تماما إلا أن من الواضح أن التناول الإعلامي لقضية العنصرية في المجتمع السعودي ضعيف ولا يتناسب مع خطورة الظاهرة وأثرها السلبي على المجتمع.

إن من الضروري جدا الإشادة بأصوات الكتاب والإعلاميين الذين يتصدون بكل بسالة لهذه الظاهرة عبر كتاباتهم ومداخلاتهم وتسجيلاتهم المصورة، فهم يوظفون أقلامهم ومنابرهم للتحذير من التمييز والعنصرية ضد مكونات المجتمع. لقد أسعدني كثيرا التسجيل الذي نشره الإعلامي كمال عبد القادر وخصصه للرد على الخطاب العنصري ضد مواليد السعودية والحملات التي تقلل من شأنهم ولا تعترف بمعانتهم وتطالب بترحيلهم إلى البلاد التي جاء منها أسلافهم.

للأسف الشديد لم يسلم الأستاذ كمال من التعليقات العنصرية والتخوينية بسبب التسجيل الذي حاز على إعجاب كثيرين، فقد اتهمه بعض المعلقين بأنه "محارب للوطن" و"يتبنى تجنيس أعداء (الوطن) لتمرير مخططات فصل الحجاز وتدويل الحرمين".

ومن المقترحات التي قدمها الأستاذ عبد القادر لمعالجة ظاهرة العنصرية في مداخلة تلفزيونية على قناة "روتانا خليجية" أن يتم الاعتراف أولا بأن المجتمع يعاني من مرض العنصرية وإصدار قوانين تجرم العنصرية والكراهية بالإضافة إلى إحياء مؤسسات المجتمع التربوي المتمثلة في البيت والمدرسة والمسجد والشارع والإعلام التي وصفها بالمترهلة نسبة لعدم قيامها بواجبها التربوي بالوجه المطلوب.

من الملاحظ أيضا استغلال العنصريين للأنظمة والقوانين بل وحتى الحملات الرسمية التي تستهدف الأجانب، فنظام الإقامة مثلا يشجع الكفلاء في إساءة معاملة مكفوليهم واستغلال حاجتهم إلى وثيقة العمل، فيضطر العامل إلى الرضوخ وتقبل الإهانة في سبيل البقاء في البلاد وخشية من أن يتم ترحيله أو التضييق عليه في معاشه.

كما استغل الطائفيون أيضا الحرب التي تشنها السلطات السعودية ضد جماعة الحوثي في اليمن لتصفية الحسابات مع أبناء الطائفة الشيعية في البلاد والتشكيك في وطنيتهم واتهامهم بالولاء لإيران بدون أي دليل أو برهان. واستغل العنصريون أيضا حملة "وطن بلا مخالف" التي أعلنتها السلطات بمنح مهلة لمن يقيمون في البلاد بصورة غير شرعية بتصحيح أوضاعهم أو مغادرة البلاد للترويج لعدائهم للأجانب وتشويه صورتهم والإساءة إليهم دون أن يتعرضوا لأي مساءلة من قبل السلطات.

وقد ساهم رجال الدين أيضا في تعزيز الفرقة والعنصرية بين شرائح المجتمع السعودي، فأحكام الطلاق لعدم تكافؤ النسب التي أصدرها قضاة الدولة ومنحوا بموجبها أولياء الأمور الحق في التفريق بين الأزواج بذريعة عنصرية على الرغم من تأكيد الإسلام على عامل المساواة بين المسلمين بغض النظر عن انتماءاتهم القبلية أو العرقية.

وختاما أقول إن العنصرية المتفشية في المجتمع السعودي ظاهرة خطيرة يجب دراسة أسبابها والعمل على معالجتها قبل أن تستفحل، فقوة المجتمعات في تماسك نسيجها الداخلي وتساوي الأبناء في الحقوق والواجبات وشعور جميع الشرائح بالتقدير والاحترام، وإلا فإن التفكك والانفصال سيكون أحد الحلول المطروحة كما حدث في الحالة الكوردية وجنوب السودان وإقليم كاتالونيا في إسبانيا.

ـــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG