Accessibility links

بقلم نبراس الكاظمي/

من بعد مرور خمسة وثمانين عاما على تأسيس المملكة العربية السعودية باسم أحد اجداد مؤسسها، تم منح إنسانة آلية الجنسية "السعودية" الشهر الماضي. ولكن في نفس الأوان تستعر حرب الهويات في سجالات التواصل الاجتماعي السعودي هذه الأيام، وتتمحور مجملها حول طرد الوافدين إلى المملكة حسب تسلسل الأزمات المارة على البلد تحت "هاشتاغات" مثل #اخرجوا_اليمنيين_ من_السعودية وغيرها. وحين اندلعت الأزمة مع قطر، نادى كثيرون بطرد القطريين، وثم انصب غضب تويتر على "الحلاقين الأتراك" في السعودية والدعوة إلى طردهم لدى وقوف الرئيس التركي رجب طيب اردوغان إلى جانب قطر، وأخذ هذا الغضب بُعدا طائفيا مع ادعاء بعض المغردين بأن أغلب هؤلاء الحلاقين هم من الطائفة العلوية التركية. أما الأزمة الأخيرة المتصلة بمسألة استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، فتمخضت هي أيضا عن دعوات لطرد اللبنانيين المقيمين في المملكة.

وفي الجانب المقابل، هناك من يتهكم بهاشتاغ #السعودية_دوله_جمال_وخيم، أي تذكير السعوديين بأنهم حديثو النعمة التي جاءتهم عرضا بسبب اكتشاف البترول، ولولا قدوم هؤلاء الوافدين من باقي البلدان العربية والشرق أوسطية لما استطاعوا تقويم بلدهم.

يقول أحد المغردين السعوديين: "آبائنا والأجيال القديمة الشبه المتعلمة كان يروق لهم المظهر البراق للبدلة والكرافته وكم كلمة انجليش على فرنساوي واللي تغطي على روائح البصل والثوم..كان يبهرهم هالمنظر ويعتبره حاجة أبهه..الاجيال اللي اتى بعدهم عرفوا ان هذا مجرد قشرة يغطي جهل وقلة معرفة بالاضافة للنصب والاحتيال.." ويضيف نفس المغرد: "أعتقد أن جميع عرب الشمال لم يستوعبوا أن الخليج تعداهم حضاريا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا...السعودية يعيش فيها العشرات من الجنسيات المختلفة وكلهم آمنون مطمئنون.. وهم حتى المختلف معهم حزبيا من بني جلدتهم أما قتلوه أو اتهموه بالخيانة..."

أما الكاتبة في صحيفة عكاظ هيلة المشوح فهي بدورها تغرّد: "يعايرنا شعب (الهشك بشتك) بأنهم صنعوا حضارتنا... طب وليش ما صنعتوا حضارة في بلدكم يا فلتات العالم؟ انتو حتى زبالتكم ما قدرتوا تنظفوها فكيف تبنوا حضارة؟ الويتر (النادل) وبياع المكياج ما يصنع حضارة في المملكة.. حضارتنا قامت على عقول فذة وسواعد وطنية!" وثم يعقب رئيس تحرير جريدة الشرق الأوسط السابق سلمان الدوسري بقوله "إن #السعودية_دوله_جمال_وخيم وقيّم وتقدمت بين الأمم وغيرها قابع في موقعه ثابت لا يتحرك..."

ويبدو أن الأمر يتعدى التعيير والتعيير المقابل إلى بُعد اقتصادي مفاده بأن اللبنانيين والعرب الآخرين الوافدين الى المملكة من أجل العمل هم عبء على الاقتصاد السعودي وحاجز يحول دون توظيف مئات الآلاف من الشباب السعوديين العاطلين عن العمل. وحسب رأي أحد المغردين "إن 70 بالمئة أو أكثر من اللبنانيين المتواجدين في المملكة مؤيدون لحزب الشيطان.. فمتى نتعلم من تجاربنا السيئة معهم ومع الكثير من العرب... يحاربون أولادنا في الحصول على الوظائف ويبعثون بمئات الملايين للحزب الإرهابي لكي يحاربنا بها.. فعلى الدولة فلترتهم حتى لا يبقى إلا المحب لنا..."، وهو كلام متماه مع ما كتبه محمد آل الشيخ، الكاتب في جريدة الجزيرة السعودية: "إبقاء 300 الف لبناني في المملكة ورئيس دولتهم يحرض على حكومة المملكة علنا وعلى رؤس الأشهاد يستدعي منا طردهم وأعادتهم لبلادهم.. وخل رئيسهم ذنب وعميل الفرس يدبر لهم عملا في إيران.." ويُشاركنا آل الشيخ إحصائيات متواترة على التويتر تفيد بأن التحويلات المالية السنوية إلى لبنان من جانب الوافدين تبلغ 4.5 مليار دولار، وأن قيمة المؤسسات التي يملكها لبنانيون في المملكة تقدر بـ 125 مليار دولار، والصادرات اللبنانية إلى السعودية تتراوح حول 378 مليون دولار سنويا.

وتأتي هذه السجالات في ظرف جديد يمر على السعودية ألا وهو محاولة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إعادة تشكيل نُظم الحكم والهوية في بلاده، بصورة متعجلة ولربما طائشة، لعله يستلهمها من تجربة إصلاحات الـ"مييجي" في اليابان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كونه من المعجبين بالحضارة اليابانية. وفي مسعاه هذا، يتجه الأمير الشاب إلى "الشعبوية" كوقود سريع الاشتعال يحاصر به أنداده ضمن المؤسسات التقليدية السعودية، منها "العشيرة" المالكة والشبكات الدينية والتي قد تقف كحجر عثرة في طريقه إلى "رؤية 2030". ولكن يبدو أن قسطا وفيرا من هذه الشعبوية بدأ يتشكل من خلال روحية بغض الأجانب، أو بالتحديد الأجانب من بلدان الشرق الأوسط إن كانوا يمنيين أم أتراك أم لبنانيين. ويكمن في هذا الأمر منزلق خطير، فالسعودية لديها إشكالات وتشققات قديمة ومتأصلة لم يتم معالجتها منذ عقود متتالية، منها سجال حول "من هم السكان الأصليين في الحجاز؟" بين من يدعي الأصالة الذي ينعت الوافدين بـ "طرش البحر"، أي الرغوة البشرية التي تبقت من بعد انحسار تماوج الحجاج والمعتمرين على مكة والمدينة. وأيضا في جيزان هناك عنصرية ضد أصحاب البشرة السمراء، بالإضافة إلى النعرات القديمة ضد شيعة المنطقة الشرقية، والنخاولة في المدينة، والإسماعيليين في نجران. ناهيك عن التمايز بين العشائر والقبائل بين "الأصيل" و"الهجين"، أو ما يطلق عليه في السعودية وصف "الـ 110 أو الـ 220".

ولعل هذا الكتاب النادر الذي يقع بين أيدينا "دليل المملكة العربية السعودية" من تأليف فؤاد إسماعيل شاكر (مطبعة خلف الله، سنة 1948) سيعقّد المشهد بعض الشيء. فهو جاء في لحظة من الزمن قبيل انطلاق عصر النفط في السعودية بصورة مضطردة، حينما كان الإحصاء التقديري لعموم السكان يدل بأن سبعة ملايين نسمة يسكنون البلاد آنذاك. وحسب قول المؤلف (وهو من أهل مكة) "أصبح معدل الإنتاج اليومي من أول عام 1948 ميلادية ثلاثماية الف برميل ونصف تقريبا..." وكان ذلك يوازي حوالي عشرة آلاف جنيه ذهب يوميا يستحصلها البلاط الملكي السعودي من شركة النفط "أرامكو".

ولكن عند معاينة قول الكاتبة أعلاه إن "حضارتنا قامت على عقول فذة وسواعد وطنية!" يفيدنا الدليل بأن نسبة كبيرة من هذه العقول والسواعد كانت من "عرب الشمال" أو حتى من كُورده وتُركه. فرئيس البلاط الملكي، يوسف ياسين من مواليد اللاذقية، ومساعده مدير الشعبة السياسية رشدي ملحس من مواليد نابلس. مدير طبابة القصر العالي بالرياض مدحت شيخ الأرض ولد في دمشق وكذلك زميله رشاد فرعون طبيب الملك. رئيس الحرس الملكي سعيد جودت كردي من كركوك. وأحد مستشاري الملك هو السياسي الليبي بشير السعداوي. فؤاد حمزة، الذي تدرج ضمن العديد من المهمات في وزارة الخارجية، أتى من قرية درزية في جبل لبنان. أما حافظ وهبة، زميله في تأسيس الدبلوماسية السعودية، فهو تولّد في حي بولاق بالقاهرة. والأمر لا يقتصر على كبار الموظفين، فإن ناظرنا مئات الأسماء الأخرى في الدليل من أمراء سرايا الأمن إلى مشغلي دوائر البريد والبرق، سنجد نسبة لا بأس بها من الوافدين. الدليل لا يشير إلى أصولهم، وإنما يجعل هويتهم "سعودية" لأنهم في خدمة الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل "ابن سعود". إذن، لم يكن السجال منحسرا آنذاك بين طرف يتهم الآخر على أنه "ناكر للجميل"، وتقابله السخرية من "حديثي النعمة".

ويقدم الدليل صورة أخرى مغايرة تماما لما تتخيله العقول بأن السعودية كانت أرضا جرداء خالية من الخبرات المحلية. فإننا نجد أسماء كثيرة، خصوصا من أهل الحجاز والعوائل القصيمية العريقة، كانت تتبوأ مسؤوليات إدارية واقتصادية مهمة إلى جانب الأمراء والوافدين. ومن الواضح أن هؤلاء كانوا نتاج منظومات عائلية قديمة لديها صلات تجارية مع الشرق الأوسط والهند وأفريقيا ومناطق أخرى من العالم، بالإضافة إلى "العولمة" التي تخلقها ظروف الحج سنويا مع مجيئ أصناف المسلمين من شتى بقاع العالم، وهذا ما نراه جليا في الأسماء الواردة في الدليل من "طرش البحر" الذي تأصلوا في تلك الأصقاع منذ أجيال خلت، وحافظوا على صلاتهم مع البلدان التي هاجروا منها. أما رائد النهضة المدنية في السعودية محمد بن سرور الصبان (1898-1971) فهو من أهل الحجاز، لا من بيروت ولا دمشق ولا القاهرة. وعمل بمثابة وزيرا للمالية، ويُعد من المصلحين الذي حاولوا الدفع بمجتمعهم إلى الحداثة. ويلحظ في الصورة المرفقة له في الدليل (وهو يحوي أيضا على عشرات التصاوير النادرة للشخصيات) بأن الصبان كان من أصحاب البشرة السمراء.

من الأمور المميزة التي استوقفتي أيضا في الكتاب هو إدراج المؤلف لتقويم زراعي مصنف حسب الأبراج، لا بد أن المؤسسة الدينية المتزمة كانت تعده ضربا من السحر والشعوذة. وأيضا هناك تفاصيل حول طبيعة تجارة المطوفين في مكة واحتكارها ضمن عوائل محددة. أما طلبة البعثات الدراسية إلى الخارج، وتحديدا إلى جامعات وثانويات مصر، فإن أغلبهم حجازيون أو من أبناء المسؤولين، ويظهر من بينهم اسم "عدنان خاشقجي" تاجر السلاح الشهير لاحقا. ولأن الدليل صدر بعد حرب الـ 1948 بفترة وجيزة، فهناك إشارات إلى تبرعات أرسلها التجار من أرجاء المملكة لدعم فلسطينيين، ومشاركة "الجيش العربي السعودي" في معارك فلسطين "لمنازلة أوغاد الدنيا وأسافلها ... ". والأمر الآخر الذي استوقفني في سيرة الأمراء الكبار من أبناء الملك عبد العزيز هو أن الرعيل الأول منهم كانوا مشاركين بشكل مباشر ومن على الخطوط الأمامية في حروب تعزيز حكم الأسرة وبسط نفوذ والدهم على أغلب إرجاء جزيرة العرب، وهي مفارقة مهمة إن قسنا معدنهم القتالي آنذاك بمعدن الأمراء الشباب في السعودية اليوم والذين يتوعدون الداني والبعيد بحروب إقليمية. كما هناك سرد لرحلة ولي العهد سعود بن عبد العزيز في السنة التي سبقت نشر الدليل: "ومشى الأمير من واشنطن إلى نيويورك، وتنقل منها إلى كانسيس ستي ثم إلى هيستون عاصمة تكساس، ثم الى فينكس – بالاريزونا – ومنها الى لوس انجلوس وسافر بعد ذلك الى سان فرنسيسكو ثم الى ديترويت حيث مصانع السيارات ثم عاد الى نيويورك، وكان الامير في كل تنقلاته هذه يقف موقف المدقق المطلع، لا المتفرج العابر..." وعليّ أن اتساءل، ما الذي جعل الأمير يذهب إلى ولاية كانساس من بين كل الولايات في قلب القارة الأميركية الشمالية؟؟!

هذا الدليل يشير إلى أن الهوية السعودية عند إنشاء المملكة كان أمرا لينا ومطاطا، وكان من الممكن آنذاك استعياب أعداد كبيرة من الوافدين ضمن البوتقة السعودية، والذين غدا ابناؤهم وبناتهم وأحفادهم وحفيداتهم "سعوديين" بامتياز، إلى جانب نخبة قديمة ترجع أصولها إلى مئات السنين، وربما هي أيضا أتت وافدة من جزيرة جاوة أو من مدينة بومباي أو من أعالي نيجيريا. أما من يبحث عن النقاء العرقي أو الأسري أو المناطقي أو اللغوي، في السعودية أو في غيرها من بلدان الشرق الأوسط، فلن يجد الكثير، وربما لن يجد إلا هذه الإشارة الواردة ضمن الدليل عند استعراض قبائل المملكة: "قبيلة فهم – منازلها بين بني ثقيف شمالا والجحادله غربا وهي قبيلة قليلة العدد وانسابها من اصرح انساب قريش واماكنها وادي الذعار. وهم مشهورون بالفصاحة ويقال انهم ما زالوا محافظين على لغة قريش التي كانت في صدر الاسلام. وكفى بهم فصاحه ان منهم الابنة التي تزوجها الفيروزابادي ففرت منه لاكتشافها عجمته..."

وللتذكير، فإن مجد الدين الفيروزآبادي هو من وضع أشهر معاجم اللغة العربية المعروف باسم "القاموس المحيط، والقابوس الوسيط، الجامع لما ذهب من كلام العرب شماطيط"، وذلك في سنة 1410، ولكن يبدو أن ذلك لم يكن كافيا بالنسبة لبنت الفهمية.

لاطلاع على الكتاب اتبع الرابط التالي:
http://www.imarawatijara.com/saudidirectory.pdf
ـــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG