Accessibility links

السعودية عند الخط الرفيع بين الجرأة والتهور


الملك سلمان يتحدث مع ابنه ولي العهد محمد بن سلمان

بقلم حسن منيمنه/

لابد من إحسان الظن بالملك السعودي سلمان بن عبد العزيز وابنه ولي العهد محمد بن سلمان. فالتوقعات بشأن المملكة، وهي التي كانت قد ابتدأت في عهد مؤسسها عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود باسم مملكة نجد والحجاز وملحقاتها، كانت لدى معظم الخبراء والمتابعين لشؤونها الداخلية، أن عقدها سوف ينفرط، لتعود مجدداً نجد والحجاز (وعسير والإحساء، وربما غيرها)، نتيجة الفوضى المتوقعة مع وفاة آخر المتوافق عليهم من أبناء عبد العزيز. إذ أن تداول السلطة، منذ رحيل الملك المؤسس، كان على غير عادةٍ في الأنظمة الملكية من الأخ إلى أخيه، ضمن الأسرة العزيزية الواسعة، والتي شهدت في العقود المتتالية بروز أجيال متتابعة من الأمراء من أحفاده، ما كان ينذر بالخلاف المحتوم بعد انقضاء جيل الأبناء.

فأن يتمكن الملك سلمان من دفع ابنه ليصبح ولياً للعهد، وأن يتولى الأمير الشاب ملفات حساسة وخطيرة، داخلية وخارجية على السواء، في عهد أبيه، ما يحضّره بالفعل لاعتلاء سدة الحكم في المملكة بعد رحيل والده، هو أمر يشهد للملك وللأسرة السعودية التي بدت إزاء هذه الخطوات، على درجة مرتفعة من التماسك. وأن يعترض البعض من الأمراء السعوديين، سراً أو جهاراً، على هذا الحصر للسلطة في الملك وابنه هو أمر متوقع ومفهوم، بل هو أقلّ بكثير من مضمون التحذيرات التي كانت ارتقبت انهيار المملكة في صراع أجنحة ضمن آل سعود وتعذر الوصول إلى صيغة ترضي المصالح المتضاربة.

ويشهد للأمير الشاب كذلك مسعاه المتواصل للتركيز على مستقبل منفتح للمملكة، سواءً من خلال طرحه رؤية 2030 الطموحة والمتفائلة للتنويع الاقتصادي والتنمية الإنسانية، أو من خلال خطواته الجريئة في تحدي المؤسسة الدينية، من تقييد نشاط هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الأداة الأولى لفرض القراءة المتشددة للدين على المجتمع السعودي، إلى رفع حظر قيادة النساء للسيارات، بعد أن كان هذا الحظر مادة عالمية للطعن بالمملكة.

غير أن التقدير للشجاعة والإقدام لا يعفي الأمير الشاب من الحاجة للمساءلة، وهو أمر غير مستوفٍ في صفوف مؤيديه، بل يبدو أن المزايدات في تمجيده قد أسّست للتوّ لأجواء «تطبيلية» حافلة بالمبالغات والخوارق، دون أية التفاتة نقدية لبعض السياسات التي اعتمدها والتي تحتاج إلى المراجعة أو التوضيح.

فالحرب في اليمن قد تكون بالفعل ضرورة لا مهرب منها بالنسبة للسعودية ودول الخليج، لمنع إيران من تحصيل موطئ قدم عند باب المندب والبحر الأحمر، إلا أن هذه الحرب، والتي بدت حتى في بداياتها ارتجالية، لم تحسم رغم طول أمدها بل تحولت إلى مأساة إنسانية، من الأخطاء المتتالية في قصف المدنيين إلى الفشل في منع الأذى عنهم من المجاعة والأوبئة ودمار البنى التحتية. وإذا كانت إيران قد منعت بالفعل من الحضور السافر في عموم اليمن، فإن ثمن ذلك يكاد أن يكون تحطيم الوحدة الوطنية اليمنية على أكثر من صعيد، بما في ذلك تمتين علاقة إيران مع بعض الأطراف. لا بد بالتالي من إعادة نظر تُسائل السعودية، الملك طبعاً والأمير خاصة، حول جدوى الاستمرار بمقتلة دون أفق واضح، والسعي إلى إيجاد مخرج يعفي اليمن من الموت والدمار.

وكذلك الحال في موضوع الأزمة الخليجية أو قضية قطر. فالسعي إلى تبديل سياسة قطر، لدفعها بعيداً عمّا اعتمدته من إبهام أو ازدواجية إزاء إيران والحركات السياسية الإسلامية والمنظمات الجهادية، هو توجه مشروع مبني على معطيات واقعية انطلاقاً من تقييم لجدوى هذه السياسات. بل التشكي من أن قطر وعدت ولم تفِ في هذه الأمور له ما يبرره. أما أن يتحول الامتعاض والاعتراض إزاء قطر إلى حرب إعلامية وسياسية واقتصادية كاسرة مفتوحة، دون اعتبار للنتيجة الطبيعية لهذه الخطوات التصعيدية في القضاء على تجربة التكامل والتعاون الناجحة الوحيدة في الإطار العربي أي مجلس التعاون لدول الخليج، فهو إفراط واضح. ولا يبدو مجدداً أن العواقب كانت معتبرة. والاستمرار في التصعيد والطعن، رغم فشل الدفعة الأولى، يشير لا إلى انعدام الشفافية والمساءلة وحسب، بل إلى قدر خطير من التعنت الذي لا ينبئ بالخير.

فالنظر إلى الخطوتين الجديدتين اللتين أقدمت عليهما السعودية، بشأن لبنان والإصلاح، ببصمات واضحة وصريحة لولي العهد محمد بن سلمان، يجري بناءً على هاتين السابقتين غير الموفقتين، أي موضوعي اليمن وقطر. رفع الغطاء عن الاحتلال الإيراني المستتر للبنان أمر مطلوب. والشروع بإصلاحات عميقة في السعودية لمواجهة الفساد والدفع باتجاه الإصلاح أمر محمود. إلا أن تنفيذ هذا وذاك لا يبدو أنه يستوفي المعايير التي تضمن له التماسك وتحقق له النجاح.

استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري كانت مطلباً دائماً لفريق واسع من اللبنانيين لا يرى أن العقد مع حزب الله، والذي يسمح لإيران بالإمساك بزمام الأمور في لبنان مقابل ضمان السلم الأهلي، يصبّ في نهاية المطاف في مصلحة البلاد. أما سعد الحريري، فقد أصرّ دوماً على ضرورة الإمساك بشعرة معاوية مع إيران وأدواتها في لبنان، كما فعل والده رفيق الحريري إزاء نظام دمشق قبل أن يقتله محور الممانعة، والذي يضم هذا النظام وإيران وأدواتها. قد يكون سعد الحريري قد اطلع بالفعل من المسؤولين السعوديين على ما بدّل رأيه. ولكن اللهجة التي اعتمدها الحريري في خطاب الاستقالة، والذي بثّ من السعودية نفسها، لا تتواءم مع ما اعتاد عليه الحريري من أسلوب ومفردات. فلا الحريري ولا الفريق الذي ينتمي إليه في لبنان قد امتهن عبارات "قطع الأيادي" والطعن الصلف بإيران، بل موقف فريقه كان على الدوام التزام الأدب في التعبير ومطالبة الفريق الخصم بالمماثلة. أي أن الحريري في استقالته بدا وكأنه يمتثل وحسب لأوامر وإملاءات للاصطفاف خلف الأمير السعودي. وفي ذلك تبديل نوعي لطبيعة العلاقة التاريخية بين السعودية والقوى الاستقلالية السيادية الرافضة للنفوذ الإيراني في لبنان. يدرك الجميع في لبنان التفاوت في القدرات بين المملكة وهذه القوى، ما يجعل العلاقة غير متوازية، ويدفع السياسيين في هذا الفريق وجمهوره إلى التجاوب مع العديد من الرغبات السعودية، مقابل المراعاة السعودية للخصوصية اللبنانية. أما أن تنتقل العلاقة من الندية المبدئية، رغم التفاوت الواقعي، إلى التبعية السافرة، فالنتيجة سوف تكون بالتأكيد نهاية زعامة سعد الحريري السياسية والمزيد من التعويل في صفوف السياديين الاستقلاليين في لبنان على جهات أخرى غير السعودية. أي أن فتح جبهة لبنان كما جرى، بدلاً من أن يؤدي إلى نصر إزاء إيران، لن يبدد من الحضور الإيراني، بل يضرب القوى الرافضة لإيران ويدفعها نحو اتجاهات غير واضحة.

وكذلك الحال بشأن الإصلاح داخل المملكة. ربما يصحّ أن كل من أوقف بأمر من هيئة مكافحة الفساد الجديدة والتي يرأسها الأمير محمد بن سلمان نفسه، هو بالفعل فاسد بل ممعن بالفساد، إلا أن الانتقائية تبدد المصداقية. فمن هو مقرّب من الملك والأمير لم تطله هذه الإجراءات، ما يجعل الظن، بأن في الأمر تطويقا وتكبيلا للخصوم، أقرب إلى التصديق. ليس مستغرباً أن يعمد الملك والأمير إلى تعزيز لمواقع مؤيديهم تثبيتاً للسلطة والانتقال المرتقب. وفي هذه الخطوات جرأة أكيدة لمنع انهيار البلاد، مع التحول الهام في تداول الحكم من العزيزيين ، أبناء عبد العزيز آل سعود، إلى السلمانيين، أي من سلمان إلى محمد بن سلمان. ولكن يبدو أن الجهد يعتمد الترهيب أكثر من الترغيب. فقد جرى تكميم أفواه الكتاب والصحفيين والدعاة، ليس من خصوم التحول، بل من الذين لا يمتنهون التبجيل للملك والأمير وسياستهما. حتى بعض من دعا إلى عودة الوفاق مع قطر وجد نفسه حبيس البيت أو الزنزانة.

القراءة الموضوعية لواقع الحال السعودي تميل إلى أن محمد بن سلمان هو الأقرب إلى إمكانية منع المملكة من الانهيار وقيادتها في المرحلة المقبلة. ولتحقيق هذا الدور لا شك أن الأمير يحتاج إلى الجرأة، ومن الواضح أنها لا تنقصه، ولكنه بقدر ذلك بل بما يفوقه فإنه يحتاج إلى التروّي والحكمة والمساءلة الذاتية والشفافية والتمنع عن التصعيد الكلامي، بنفسه أو عبر من يلزمه من الوسطاء، وتصويب السياسات والتراجع عنها عند تبين فشلها. هو بحاجة إلى التواضع، والتواضع دليل العزة والكرم. ثمة خط رفيع بين الجرأة والتهور، والأمل هو أن يتمرّس الأمير ولي العهد بعدم تجاوزه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG