Accessibility links

بقلم كوليت بهنا/

بحثت على "غوغل" عن الجملة التالية: (الفرنسيون غاضبون من تأجير دار الأوبرا لحفل زفاف). أجابني "غوغل":(السوريون غاضبون). استبدلت الجملة بالفرنسيين يستاؤون أو يحتجون، وظل جواب "غوغل" يصرّ على أن السوريين فقط هم الغاضبون من حفل الزفاف الذي أقيم في دار الأوبرا الفرنسية لحفيدة نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام، وبدا الأمر غريبا أن الفرنسيين لم يكترثوا لتأجير دار الأوبرا مقابل مبلغ خيالي أشيع أنه فاق المليون دولار وتحويل صرح ثقافي كبير كهذا إلى صالة للأفراح والزغاريد ورفع الآذان بلا مبرر في جنباته والذي ترافق مع دخول العروسين كما ظهر في الفيديو الذي تم تسريبه على وسائل التواصل الاجتماعي في بدايات الشهر الجاري وأثار كل هذا الغضب السوري الذي اتفق عليه الموالون والمعارضون بشكل حاد للغاية.

الغضب لا يتعلق هنا بالأحقاد الطبقية أو الحسد، فمن حيث المبدأ يحق لأصحاب الثروات الشرعية التصرف بأموالهم كما يشاؤون، ولا يحق لأحد أن يحاسبهم على كيفية إنفاق أموالهم طالما أنها معروفة المصدر ويدفعون الضرائب المترتبة عليهم. الأمر هنا مختلف، حيث يأتي هذا الاستفزاز الصارخ في زمن الحرب والجوع والفاقة وكافة أشكال الكوارث التي يعيشها السوريون منذ سبع سنوات، من شخصية سياسية ارتبط اسمه مع عائلته بملفات الفساد السورية الكبرى، وكان أحد دعاة الاشتراكية والعدالة الاجتماعية، وقدم نفسه حين انشقاقه عام 2005 كصاحب رؤية سياسية تنحاز للشعب وطالب بدولة غير مستبدة كان أحد أهم أركانها، ويوافق اليوم أو يصمت متواطئاً على إقامة عرس أسطوري لحفيدته أنفقت لأجله ملايين الدولارات، حتى لو تم تبرير الأمر أنها من جيب العريس، فالأمر متعلق بالأخلاقيات الإنسانية التي يظهرها الأفراد أو الجماعات كسلوكيات أو كتعبير معنوي عن التضامن مع كوارث شعوبهم أو حتى مع كوارث شعوب أخرى، وفي التاريخ القريب كثير من الشواهد التي سجلت لشخصيات اعتبارية ونجوم ودول عالمية وعربية، حيث تم منع أو إلغاء مظاهر الاحتفال بمناسبات وطنية أو حفلات خاصة أو أعياد كتعبير عن تضامن معنوي ووجداني مع مصائب وأحزان تعيشها شعوب أخرى، كما فعلت قطر عام 2016 حين ألغت مظاهر الاحتفال بالعيد الوطني تضامناً مع حلب، أو كما فعلت عدد من الدول العربية عام 2008 تضامناً مع غزة ، على سبيل المثال لا الحصر.

الحدث الاستفزازي المتمثل بحفل زفاف أسطوري، سيق هنا كأنموذج صارخ غير متفرد ستحتفظ به طويلاً ذاكرة السوريين التي رصدت في السنوات السبع التي خلت الكثير من الحفلات والسلوكيات المستفزة والمظاهر التي هدرت فيها أموال طائلة من قبل أثرياء قدامى أو أثرياء حرب جدد، في وقت يشهد شحاً في كل وسائل العيش وتقف الناس في طوابير طويلة بانتظار سلة غذائية تقيت جوعهم لأيام أو إغاثة مالية من أغراب. كذلك رُصدت الكثير من المواقف والممارسات المتبادلة المستفزة لأفراد وجماعات وزعوا الحلوى فيما بينهم شماتة بموت الآخرين وانتصارهم عليهم، والرقص فوق جثثهم، والاستهتار بمشاعرهم وأحزانهم وانكسار خواطرهم. وسيأتي يوم ينتهي فيه القتال وتتوقف الحرب وآلتها، وتبدأ آلة إعادة الإعمار التي لن تشمل النفوس بالتأكيد في حينه، حيث ستبقى الأحقاد المتبادلة والذاكرة القريبة الحافلة بكثير من النقاط السوداء التي سجلها كل طرف على الآخر، وتحتاج ربما إلى أكثر من جيل للبدء بالتسامح المتبادل والمصالحة الحقيقية.

يبقى السؤال الممتزج بشديد الاستغراب عن صمت الفرنسيين الذين لم يغضبوا ولم يحتجوا أو يستاؤوا من تأجير دار الأوبرا ورفع الآذان فيها، وهم الذين عرف عنهم حساسيتهم وعلمانيتهم فيما يتعلق بعاصمة الثقافة والفنون، باريس.

ـــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG