Accessibility links

عن تونس التي كرمت المرأة.. والأزهر


تونسيات في شارع الحبيب بورقيبة، أرشيف

بقلم ماهر جبره

اقترح الرئيس التونسي قائد السبسي، في يوم المرأة التونسية (13 أغسطس)، إدخال بعض التعديلات على مجلة (قانون) الأحوال الشخصية التونسية بهدف إعلاء قيمة المساواة بين الرجل والمرأة، تطبيقا للمادة 21 من الدستور التونسي التي تنص على: "المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز".

فالقانون التونسي مازال يميز ضد المرأة ويعطي حقوقا للرجل لا تتمتع هي بها. وقد تحدث عن أمرين، الأول هو أن الرجل يرث ضعف المرأة. أما الثاني فهو أن للرجل المسلم حق الزواج من غير المسلمة، بينما المرأة المسلمة لا يحق لها الزواج إلا بشخص مسلم. ونظرا لضيق المساحة سأكتفي بنقاش الاقتراح الأول فقط في هذا المقال.

اقترح السبسي فتح نقاش حول هذين الأمرين، خصوصا وأن تونس هي إحدى الدول الموقعة على اتفاقية السيداو (CEDAW) (اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة)، بل أن تونس أقرت رفع كل التحفظات على الاتفاقية سنة 2014. فهاجت الدنيا وماجت، وغضب الأزهر وبدأ في إدانة اقتراح السبسي باعتباره ضد الشريعة الإسلامية. بل أن بعض الأحزاب في تونس طالبت بتنحيته بسبب هذا الاقتراح، على اعتبار أن هناك نصا قرآنيا بخصوص الميراث في سورة النساء يقول صراحة “للذكر مثل حظ الأنثيين" وأن هذا النص قطعي الثبوت قطعي الدلالة، ولا يجوز الاجتهاد معه.

والحقيقة أن قضية الميراث هي قضية تتعلق بالمساواة بين الجنسين وليس بأي شيء آخر. فالأمر يمكن حسمه بالإجابة على سؤال بسيط جدا؟ هل ينبغي على المشرع التونسي أن يعامل المرأة على أنها إنسان مستقل كامل الأهلية أم تابع يحتاج إلى الوصاية؟ لو هي مستقلة، مسؤولة عن ذاتها فاقتراح السبسي منطقي، أما لو تحتاج إلى الوصاية فالاقتراح غير مبرر.

فوجهة نظر من يدافعون عن نظام الميراث التقليدي ببساطة هي أن المرأة مسؤولة من أبيها حتى زواجها، ومن زوجها بعد الزواج ومن عائلتها لو طُلقت أو توفي زوجها. وبناء عليه فهي غير مسؤولة عن نفسها ماديا وغير مسؤولة عن توفير سكنها وملبسها ومأكلها ... إلخ. وعليه فبما أن الرجل هو المنوط به كفالة المرأة ماديا فهو أحوج إلى المال. وبالتالي فإن العدل يتحقق في هذا النظام إذا أخذ الرجل أكثر من المرأة، فليس على المرأة أي مسؤوليات مادية.

وقد كان هذا هو الوضع القائم وقت ظهور الإسلام. فقد كانت المرأة تقوم بالدور التقليدي في رعاية الأطفال وتدبير شؤون المنزل وتنتظر الرجل ليقوم بالعمل الذي يجلب الأجر المادي لينفق عليها وعلى الأطفال. وعليه فالنظام وقتها كان عادلا طبقا لمقتضيات ذلك العصر.

ولكن العصر اختلف، فالحال في القرن الواحد والعشرين مختلف تماما! فالمرأة تعمل مثل الرجل وتشاركه نفقات البيت بل وأحيانا هي من تعول الأسرة وحدها في حالة موت الزوج وفي كثير من حالات الانفصال أو الطلاق، كما أنها مطالبة بالمشاركة في تأسيس منزل الزوجية. أضف إلى ذلك المرأة العزباء التي تتحمل مسؤولية حياتها ماديا بعيدا عن العائلة. وبناء عليه فإن قصد الشرع بتحقيق العدل هنا اختفى جراء اختلاف النظام الاجتماعي بين القرن السابع التي كانت المرأة فيه تابعا اقتصاديا بشكل دائم والقرن الـ21 التي تُعامل فيه المرأة باعتبارها كيانا مستقلا. فلماذا يصر البعض على التطبيق الحرفي للنصوص، رغم اختلاف الظروف والأزمنة؟

فوجهة نظر من ينادون بالمساواة، أن المساواة في الإرث هي تحقيق لأحد مقاصد الشرع وهو العدل.

نأتي هنا لإشكالية فقهية مهمة وهي أن النص القرآني في هذه المسألة هو قطعي الثبوت والدلالة بالفعل. وعليه فالاجتهاد فيه سُيقابل بالرفض من كثيرين. ولكن أليس هناك نصوصا قطعية الثبوت والدلالة تأمر بالجزية وتبيح ملك اليمين؟ ألم يتحدث القرآن في سورة النساء ذاتها عن ملك اليمين؟ ألم ينص صراحة على الجزية في سورة التوبة؟ فلماذا إذا أبطل العالم الإسلامي العمل بهذه النصوص؟!

فلو كان كل نص قطعي الثبوت والدلالة لا يجوز الاجتهاد معه، فلماذا لا نعود لامتلاك العبيد والإماء؟ ولماذا لا تطالب الدول الإسلامية بالجزية من مواطنيها المسيحيين واليهود؟ ببساطة لأن هذه الأحكام لم تعد تناسب عصرنا. فربما كانت أفكار مثل العبودية والجزية ممارسات مقبولة في القرن السابع ولكنها بالتأكيد ومع نمو وتطور الوعي الجمعي البشري أصبحت أفكار مستهجنة وتعارض أبجديات حقوق الإنسان الذي توافق العالم كله عليها. وبناء عليه فإن قاعدة لا اجتهاد مع النص وارد أن تتغير باختلاف الأزمنة والأحوال. وهذا بالضبط ما يستند عليه المجددون الإسلاميون عموما ودعاة المساواة بين الجنسين في هذه القضية خصوصا.

والمدهش أن في كل مرة يتحدث الأزهريون عن أي قضية تخص المرأة، تجدهم يرددون نفس المقولة الشهيرة "الإسلام كرم المرأة". والواقع أن المرأة في عصرنا هذا لا تحتاج إلي جمل إنشائية من نوعية الجوهرة المصونة والدرة المكنونة، بل فقط وأعيدها، فقط تحتاج إلى أن نعاملها كإنسان له حقوق متساوية، بما في ذلك حقوقها الاقتصادية في ميراث متساو. وعندما تسألهم كيف كرمها؟ يجيبون أنه حسّن من وضعها، فقد كانت المرأة لا ترث أي شيء قبل الإسلام ولكن الإسلام أقر لها نصيبا من الميراث، وهنا يكمن التكريم! ولكن ماذا لو طبقنا المنطق نفسه على عصرنا هذا؟ فقد كان الأخ يرث ضعف أخته في زمن كانت المرأة فيه لا تعيل نفسها، وبالتالي لو طبقنا نفس منطق الشرع في تكريم المرأة، فمن الطبيعي أن نجد قراءات حداثية للنصوص القرآنية تطالب بمساواتهم في الميراث بسبب تحملهم أعباء الحياة سويا، أليس كذلك؟

وهنا نحن أمام فريقين، فريق يعلي من مقاصد الشرع ومن قيم الحداثة في مواجهة فريق يتمسك بحرفية النص. إنه صراع بين دولة تأخذ خطوات باستمرار في اتجاه الحداثة وبين مؤسسة دينية تريد أن يعيش المسلمون جميعا أسري للتطبيق الحرفي المتشدد للنصوص الدينية. هو صراع بين محاولة جادة لإعادة قراءة النصوص الإسلامية بما يتوافق مع مقتضيات وقيم العصر وبين إصرار على فقه أئمة عاشوا زمناً ليس بزماننا، يريدهم الأزهر أن يحكمونا من قبورهم!

--------------------------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG