Accessibility links

حول حادثة جلد سودانية تزوجت دون موافقة أبيها


نساء سودانيات يعتصمن للمطالبة بحقوقهن (أرشيف)

بقلم بابكر فيصل بابكر/

لم تكد تمضي أيام معدودة على بروز قضية المواطنة السودانية "نورا حسين" التي تواجه حكما بالإعدام بسبب دفاعها عن نفسها ضد اغتصاب زوجها الذي أرغمت على الزواج منه، حتى تفاجأ السودانيون مرة أخرى بخبر أوردته الصحف عن تنفيذ عقوبة الجلد خمس وسبعين جلدة على سيدة عاقبتها المحكمة بسبب زواجها من دون موافقة والدها.

وقالت محامية السيدة إن المحكمة أدانت موكلتها بموجب المادة "146" المتعلقة بالزنا والمادة "21" الخاصة بالاشتراك الجنائي وحكمت عليها بالسجن ستة أشهر والجلد خمس وسبعين جلدة، كما حكمت على زوجها بالسجن عام وعلى المأذون الذي أشرف على عقد الزواج بالغرامة.

وكانت أسرة هذه السيدة قد رفضت ارتباطها بالرجل مما اضطرها للسفر إلى العاصمة للقيام بإجراء عقد الزواج بعيدا عن أسرتها، وأقامت مع زوجها وأنجبت منه طفلا، وهو ما دفع الأسرة لتقديم عريضة للمحكمة متهمة إياها بالعيش مع رجل من دون رباط شرعي.

إن القوانين السودانية مليئة بالكثير من المواد التي تتعارض مع الحريات وحقوق الإنسان

تنص المادة 25 من قانون الأحوال الشخصية السوداني على أن شروط صحة عقد الزواج تشمل: إشهاد شاهدين، وعدم إسقاط المهر، ثم وجود الولي الذي يشترط فيه توفر العديد من المواصفات في مقدمتها الذكورة والبلوغ والعقل والإسلام إذا كانت الولاية علي مسلم.

قبل الخوض في مناقشة مختلف الآراء الفقهية حول شرط وجود الولي في عقد الزواج، أود الإشارة إلى خطأ الحكم القاضي بسجن وجلد السيدة المعنية. فمن المعروف أن القانون الجنائي السوداني ينص على أن جريمة الزنا تطبق فيها عقوبة حدية مقدارها مئة جلدة للمرأة البكر، ولكن حكم القاضي بالجلد خمس وسبعين جلدة يقع في إطار التعزير الذي ينطبق على ما هو دون الحد، فهو إذن حكم باطل حتى من ناحية القانون المطبق.

اقرأ للكاتب أيضا: حد الردة: عشرة مسلمين يعتنقون المسيحية في السودان

يشترط الأئمة أصحاب المذاهب الثلاثة، مالك والشافعي وابن حنبل، وجود الولي حتى يصبح النكاح صحيحا. ولا فرق عندهم في هذا بين البكر والثيب (التي فارقت زوجها بموت أو طلاق)، وحجتهم في ذلك الحديث المنسوب للرسول: "أيما امرأة نكحت بدون إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل".

أما الإمام أبو حنيفة النعمان، صاحب المذهب الرابع، فلم يشترط وجود الولي، وأباح للمرأة أن تزوج نفسها بغير ولي، لو قامت بذلك برشد. ودليل الرشد عنده هو أن تزوج نفسها للكفؤ بمهر المثل. أي تتزوج برجل كفاءة لها وقد أعطاها من المهر ما يعطى لمن هي مثلها إذا كانت المرأة رشيدة ولو بكرا. ويقول صاحب "الهداية" الحنفي: "وينعقد نكاح المرأة العاقلة البالغة برضاها، وإن لم يعقد عليها ولي بكرا كانت أو ثيبا".

وبذلك يتضح أن اشتراط وجود الولي هو موضوع اجتهاد، وليس فرضا دينيا واجبا، مثل الصلاة والصوم. وبالضرورة فإن الاجتهادات الفقهية تتماشى مع الأوضاع السائدة في سياقاتها التاريخية التي ظهرت فيها. ومن المعلوم أن المرأة حين صدور تلك الاجتهادات، قبل مئات السنين، كانت في أوضاع اجتماعية متخلفة كثيرا عن أوضاعها الحالية.

إن اختيار الزوج بطريقة حرة ومن دون تدخل من أطراف أخرى هو من صميم حقوق المرأة، وهو حق إنساني يرتبط به مستقبل الأسرة ارتباطا كبيرا، ومثلما أن زواج الرجل العاقل الراشد لا يتطلب موافقة ولي أمره، فإنه يصبح من حق المرأة أن تختار زوجها وتوافق عليه دون وسيط.

في زماننا الحاضر ظهرت اجتهادات كثيرة تدعو لضرورة الحفاظ على كرامة المرأة ومساواتها بالرجل في أمور عديدة مثل الشهادة في المحاكم وفي الميراث، إضافة لمنحها الحق في تولي المناصب العليا بما في ذلك الحق في الولاية العامة (الرئاسة).

وكان المفكر الإسلامي محمود محمد طه زعيم جماعة "الإخوان الجمهوريين" الذي تم إعدامه في العام 1985 قد قال في إطار اجتهاده القائم على فكرة الأصول والفروع في الإسلام أن أصل الدين يقوم على المساواة التامة بين الرجال والنساء، وأن قوامة الرجل تسقط في إطار ذلك الأصل وبالتالي تسقط معها كل الحقوق الزائدة للرجال، وعليه فإن المرأة تتولى أمر نفسها في زواجها، مثلها مثل الرجل تماما.

اشتراط وجود الولي هو موضوع اجتهاد، وليس فرضا دينيا واجبا، مثل الصلاة والصوم

ومن ناحية أخرى، فقد طالبت بعض الأحزاب البرلمان السوداني مؤخرا بتعديل المادة المتعلقة بشروط صحة الزواج في قانون الأحوال الشخصية ونادت بعدم اشتراط وجود الولي وتطبيق ما أسمته "زواج التراضي"؛ حيث نص التعديل على أنه: "عند بلوغ سن الرشد المقرر قانونا يجوز التزاوج بين الذكر والأنثى بالتراضي وبالتعاقد مباشرة أو بوكالة، وتسير الأسرة وفق دين الأطراف أو عرفها".

غير أن الحكومة استطاعت الالتفاف على هذه المطالب عبر تحريض الهيئات الدينية التابعة لها، ومن بينها "هيئة علماء السودان" التي وصف رئيسها تلك المطالبة بالجرم الكبير، وقال إن "المساواة المطلقة بين الذكر والأنثى في الأسرة ليست من الشريعة الإسلامية في شيء". وشكلت لجنة برلمانية قامت بإلغاء التعديل المقترح.

اقرأ للكاتب أيضا: مناهج التعليم في السودان: تكريس الطائفية الدينية وتكفير الديمقراطية

إن القوانين السودانية (الجنائية والأحوال الشخصية) مليئة بالكثير من المواد التي تتعارض مع الحريات وحقوق الإنسان وتلك التي تسلب المرأة كثيرا من حقوقها وتحط من مكانتها في المجتمع. ولا شك أن المنظومة الفكرية لجماعة الإخوان المسلمين الحاكمة في السودان، فضلا عن بعض تقاليد المجتمع وأعرافه البالية، هي المسؤول الأول عن تضمين تلك المواد في القوانين.

تبذل العديد من منظمات المجتمع المدني والجمعيات الحقوقية والأحزاب السياسية جهودا متواصلة من أجل تعديل تلك القوانين وإزالة المواد التي تتنافي مع الحريات وحقوق الإنسان؛ ولكن جهودهم كانت على الدوام تصطدم بعقبة الحكومة ومنظومة رجال الدين التابعة لها.

وطالما استمر وجود هذه المواد القانونية فمن المؤكد أن الأحكام المجحفة في حق المرأة ستطل بوجهها بين الحين والآخر، فضلا عن أن وجودها في حد ذاته يعني استمرار إهدار كرامة المرأة وحقوقها الطبيعية في كل يوم، وذلك لأن غالبية النساء لا يمتلكن الجرأة للجهر بمعاناتهن بسبب أعراف المجتمع وتقاليده.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG