Accessibility links

تراجيديا سعد الحريري


رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري يلتقي بمؤيديه عقب وصوله بيروت_أرشيف

بقلم حازم الأمين/

كشفت المحنة التي مر بها رئيس الحكومة اللبنانية العائد عن استقالته سعد الحريري أن المضمون العاطفي لزعامته يفوق المضمون السياسي، وهذا استنتاج لا ينتقص من قيمة وتأثير زعامة الرجل، ففي بلادنا غير الدافئة يمكن للعاطفة أن تحل في السياسة، وأن تعوض خسائرها. فالحريري فعلا نال عطف اللبنانيين عندما شاعت قصة احتجازه في السعودية. والقول إن رئيس حكومة لبنان محتجز في الرياض قد يستدرج السياسة لتفسير هذا الحدث، لكن في حالة الحريري استدرج تضامنا شخصيا وعائليا قبل أن يكون سياسيا. ونحن هنا لا نتحدث عن خصوم السعودية في لبنان الذين استثمروا في الواقعة ليحرضوا على دولة خصم لهم، وهم استعاضوا بالعواطف عن السياسة طالما أنهم لا يلتقون مع الحريري فيها، إنما نتحدث عن جمهور الحريري الذي من المفترض أن تربطه بزعيمه علاقة سياسية قبل أن تكون عاطفية. فمن راقب لافتات التأييد للحريري التي علقتها عائلات بيروتية، لن يعثر فيها على كلمة سياسية واحدة. "نحنا معك"، و"قلبنا معك"، و"لا نستطيع العيش من دونك"... ثم أن الصور المعلقة له كشفت عن ملامح حزن خاص على وجهه، هي من ذلك النوع الذي لا يرتسم على وجوه السياسيين.

والحال أن الحريري الابن بدأ حياته السياسية "يتيما"، وكان يتمه كبيرا، ذاك أنه فقد أبا كان مهيمنا على المشهد اللبناني وأحيانا العربي، وهو إذ فقده، جيء به ليكون شريك شرهاء في السياسة وهم اختبروها وتعلموها على أيدي عبد الحليم خدام وعلي ولايتي وياسر عرفات. تعثر الرجل أكثر من مرة. تارة لم تسعفه خبرته، وتارة أخرى لم يسعفه لسانه. وفي غمرة هذا التعثر قذف به رعاته إلى قصر المهاجرين، حيث يقيم من كان يَفترِض أنه قاتل أبيه، ثم ما لبث أن عاد أدراجه واستأنف خصومة بشار الأسد بعد اندلاع الثورة في سورية. وفي هذا الوقت أو بعده بقليل أصيب بانتكاسة مالية ترنح بفعلها تياره ومؤسساته واضطربت علاقاته الخاصة والعامة.

يمكن لواحدنا أن يصاب بالصداع لمجرد استعراض الوقائع التي حفت بتجربة سعد الحريري من خارجها، فما بالك بمكابدها، وهو قادم إلى الشأن العام من تجربة في إدارة شركة والده.

امتحان تلو امتحان، راح الحريري الابن يستقبل الانتكاسات من دون أن يتخفف من فكرة اليتم، التي رافقت تراجيدياه طوال السنوات العجاف. إنه اليتيم سياسيا وشخصيا، وهو إذ راح يُراكم العثرات وجد دائما "ربا غفورا" في غابة الغربان هذه، وغالبا ما كنا نحتار بالسر غير السياسي الذي كان يلتقط الرجل من عثرته. فاز على حزب الله بدورتين انتخابيتين، وانقلب عليه حلفاؤه وخصومه أكثر من مرة لم يكن آخرها إطاحته في يوم القمصان السود، ثم عادت الأقدار لتدفعه إلى التصدر.

لكن محيط الحريري الابن لم يُعجبه موقع رئيسه. فسعد لم يتخلص بعد وراثته الزعامة من "ديناصورات" تركهم رفيق الحريري في محيط ابنه، وهذا أحد شروط نجاح الوراثة. فمن يعتقد نفسه أكفأ من سعد بقي في محيطه وراح يمارس تفوقه عليه. زوار سعد في منزله الجديد "بيت الوسط" كانوا يلتقون على ضفاف المنزل وفي محيطه بسكان قصر قريطم، ويُرى على وجوههم علامات التحفظ، وابتسامات العارفين.

بالأمس تقاطر آلاف من أنصار الحريري إلى منزله في وسط بيروت. كانت مسيرة مؤيدة له، لكنها شديدة الغرابة. فالناس قدموا ليقولوا لسعد الحريري "نحنا معك"، من دون أن يكون متاحاً لهم القول إنهم معه بمواجهة من؟ كانت تظاهرة "إيجابية" على رغم مناسبتها غير الإيجابية. جاء الناس إليها ليقولوا إنهم مع سعد الحريري. هم يعرفون لماذا أرادوا أن يقولوا له ذلك، وفي الوقت نفسه لا يعقل أن يقولوا له إنهم معه لأن ثمة من احتجز حريته، ومن أراد لهم زعيماً آخر. كان ثمة اختناق في الحناجر. ثمة من قال إن سنة بيروت والمدن اللبنانية لم يسبق أن تظاهروا ضد أحد، بل غالبا ما كانوا يتظاهرون تأييدا لأحد، باستثناء تظاهرة 14 آذار 2005، والتي يصعب القول إن السنة هم من ذهبوا فيها إلى تحديد وجه الخصم، ذاك أن وليد جنبلاط وشركاء مسيحيين لهم تولوا مهمة تحديد وجه الخصم.

ثم إن المناسبة، أي التظاهرة، وما سبقها من عودة عن الاستقالة، شهدت ما لا يحصى من الإشارات غير المعهودة في الحياة السياسية اللبنانية. فالعودة عن الاستقالة كانت مستبعدة تماما. كاتب هذه السطور التقى بأحد المقربين جدا من الحريري قبل نصف ساعة من تصريح الأخير، وقال المقرب بلغة جازمة: الرئيس سيسلم الاستقالة خطيا ويعود إلى منزله! الخطوة كانت صادمة على نحو ما كانت الاستقالة مفاجئة وصادمة. احتار المحللون في تفسيرها! هل فتح الحريري باب مواجهة مع الرغبة السعودية؟ وماذا جرى في قبرص التي هبطت فيها طائرة الرئيس لوقت صغير قبل وصولها إلى لبنان؟ ولا يبدو أن أحدا كان يملك تفسيرا.

الأكيد أن ثمة من رتب السيناريو من خارج الحدود، وفي الأيام القادمة سنعرف ماذا جرى، فالرئيس لا يحتفظ بأسراره لوقت طويل.

ـــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG