Accessibility links

فندق البارون.. تاريخ عريق بين أنقاض الحرب


صورة قديمة لفندق البارون في حلب، أرشيف

في شرفة فندق البارون بحلب راحت روبينا تاشجيان أرملة صاحب الفندق تقلب في الصور القديمة لماضيه السعيد أيام كان السلام يعم سورية.

واستضاف فندق البارون الذي أسسته أسرة أرمنية في العام 1911 مغامرين وكتابا وملوكا وبعض رواد صناعة الطيران وشيوخا من الزعامات البدوية ورؤساء إلى أن اضطرته الحرب لإغلاق أبوابه قبل خمس سنوات.

وترى تاشجيان في البارون جزءا من سورية التي كانت قبل الحرب تحتضن التنوع الديني والعرقي والانفتاح على العالم الخارجي وعلى الثقافة واحترام الآثار العظيمة التي تزخر بها البلاد.

وتقول في إشارة إلى أكلة شامية معروفة "سورية مزيج من كل هذه الجماعات العرقية والثقافات ... هي إناء كبير وكل شيء يمتزج فيه. لكننا نطهو كبة واحدة".

فندق البارون في حلب، أرشيف
فندق البارون في حلب، أرشيف

وتتطلب محاولة إحياء تلك الصورة لسورية وسط الحرب التي أدت إلى تفاقم الشروخ الاجتماعية مصالحة بين الخصوم السياسيين والطوائف الدينية والطبقات الاقتصادية.

ولا يبدو أن هناك أملا قريبا في تحقيق ذلك في ضوء مقتل مئات الآلاف ونزوح أكثر من نصف سكان البلاد عن ديارهم واستمرار القتال.

كانت بداية الحرب في 2011 وبالا على كل ما أتاح الازدهار للفندق الذي يعتمد نشاطه على الاستقرار والأمان وعلى كنوز سورية الثقافية والتاريخية.

وخلال معظم فترات الاشتباكات تعرضت الأحياء الغربية في حلب الخاضعة لسيطرة الحكومة للقصف وكانت مقصدا لسيل لا ينقطع من اللاجئين وعانت نقصا في المياه والكهرباء والغذاء.

بعض الصور لشخصيات زارت فندق البارون، أرشيف
بعض الصور لشخصيات زارت فندق البارون، أرشيف

صورة داخل فندق البارون لفاتورة إقامة الضابط البريطاني تي. إي لورانس الذي اشتهر باسم لورانس العرب
صورة داخل فندق البارون لفاتورة إقامة الضابط البريطاني تي. إي لورانس الذي اشتهر باسم لورانس العرب

وأصيب فندق البارون الواقع غرب حلب بالقرب من الخط الأمامي بقذائف مورتر وانتشرت شظايا إحداها في الطابق العلوي كله.

واخترقت قذيفة أخرى نافذة القاعة الشرقية وسقطت على بلاط الأرضية الأنيق لكنها لم تنفجر.

والآن يقبع ذيل تلك القذيفة في خزانة المقتنيات الغريبة إلى جانب نفائس مثل آنيات فخارية أهداها علماء آثار زائرون للفندق، وفاتورة الفندق عن إقامة الضابط البريطاني تي. إي لورانس الذي اشتهر باسم لورانس العرب.

وفي الغرفة العلوية التي كانت تنزل فيها على الدوام كاتبة الروايات البوليسية أغاثا كريستي خلال زياراتها العديدة إلى حلب، ما زال المكتب الخشبي المغطى بلوح زجاجي الذي كتبت عليه بعض فصول روايتها جريمة في قطار الشرق السريع موجودا.

أسر لاجئة

في فندق البارون تبدو آثار الزمن وعلامات الإنهاك على حجرة الطعام التي تكسو الألواح الخشبية جدرانها وعلى البار الممتلئ بالزجاجات العتيقة وعلى الأثاث الوردي في غرفة التدخين ذات السقف العالي وكذلك حجرات النوم.

وتوقف الفندق عام 2012 عن استقبال الزبائن باستثناء قلة من قدامى الأصدقاء عندما وصلت الحرب الأهلية إلى حلب وبدأت قذائف المورتر والقناصة تجتاح الشوارع المحيطة به.

وتطارد تاشجيان المعلمة السابقة التي تبلغ من العمر 66 عاما القطط الضالة التي تتسلل من فتحات الزجاج المكسور في النوافذ الفرنسية الطابع إلى غرفة الطعام، وتحاول الحفاظ على الفندق شبه المهجور من تفاقم التلفيات في مدينة لا تتوفر فيها سوى إمدادات محدودة من الكهرباء والمياه.

غرفة مهجورة داخل فندق البارون في حلب
غرفة مهجورة داخل فندق البارون في حلب

داخل فندق البارون في حلب، أرشيف
داخل فندق البارون في حلب، أرشيف

وتوفي زوجها أرمن مظلوميان حفيد مؤسس الفندق عام 2016 بعد عامين من زواجهما في أعقاب صداقة استمرت 30 عاما. وقالت إن الفندق مملوك الآن لشقيقتيه اللتين غادرتا سورية قبل ذلك بسنوات.

وفي الشرفة التي ألقى منها الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر خطبة في حشد كبير من السوريين كانت حول صناديق الصور القديمة بقايا أخرى تم نقلها من الطابق السفلي بعد أن خفت حدة القتال.

ومن خزائن ضخمة من مادة الراتان ظهرت آلات عتيقة للحياكة وطقم من المناشف يرجع إلى الخمسينات وملاءات مستوردة من أوروبا وموشاة باسم الفندق بدأت آثار البلى تبدو عليها.

وخلال الاشتباكات استقبل الفندق بعض الأسر اللاجئة من شرق حلب.

وتقول تاشجيان إن هذه الأسر استخدمت خلال إقامتها كميات كبيرة من المياه في تنظيف أرضيات الغرف كل صباح حتى أصاب التلف بلاطها الأنيق برسومه الهندسية.

ووسط الحر الشديد ساعة العصر يتدفق عبر زجاج النوافذ المحطمة نسيم يعمل على ترطيب الجو في الطابق الأرضي وعلى السلم الفخم.

المصدر: رويترز

XS
SM
MD
LG