Accessibility links

بقلم عريب الرنتاوي/

ينتظر اللبنانيون بفارغ الصبر عودة رئيس وزرائهم سعد الحريري إلى بيروت، بعد أن أجمعت الروايات، ومن مختلف المصادر، على أن الرجل "محتجز" في المملكة العربية السعودية، ولا يمتلك حرية القول والتصرف والتنقل، بل وتُملى عليه مواقف وإجراءات بالضد من إرادته ... صور الرئيس الحريري مذيّلة بعبارات "كلنا سعد" و"كلنا معاك" ملأت شوارع بيروت ومستديراتها... ومواقع التواصل الاجتماعي "اشتعلت" بعبارات التنديد باحتجاز حرية رئيس حكومة لبنان، ومن قبل أقرب وأكبر حليف له ولبيئته السنيّة الحاضنة لتيار المستقبل الذي يتزعمه، واستبدل لبنانيون كثيرون، ومن طوائف عدة صورهم على صفحات التواصل الاجتماعي بصور الرئيس "المجروح" في كرامته ومكانته، وفقاً للتعبيرات الدارجة في لبنان.

وفي إطلالته المُعدّة سلفاْ، وتحت إشراف وبتدبير من الحكومة السعودية، بدا الحريري أكثر توازناً وهدوءاً مما كان عليه في إطلالته الأولى عندما قرأ بيان الاستقالة من الرياض ومن على شاشة "العربية" ... فالرجل لم يقطع ولم يجزم بأمر استقالته، وترك الباب "موارباً" للعودة عنها، إن أتيحت له فرصة تحسين شروط التسوية التي جاءت به رئيساً للحكومة وبالعماد ميشيال عون رئيساً للجمهورية، وكان لافتاً تشديده على الوحدة الوطنية وثناؤه على رئيس الجمهورية المقرب من حزب الله، ودعوته لحوارات ومفاوضات وطنية تعيد الاعتبار لسياسة "النأي بالنفس" التي اعتمدها لبنان، وإن بتعثر، في مواجهة الصراع السعودي - الإيران وأزمات الإقليم المتفجرة.

بين الإطلالتين اللتين لا يفصل إحداهما عن الأخرى سوى أسبوع واحد فقط، جرت مياه كثيرة في أنهار لبنان والمنطقة وتحت سدودها ... لبنانياً، بدا اللبنانيون أكثر اقتناعاً بأن رئيس حكومتهم أجبر على الاستقالة، ولم يخترها طواعية، وأنه فاقد لإرادته الحرة والمستقلة، وتعاظم التعاطف مع شخصه وعائلته وتياره. والأهم من كل هذا وذاك، بدا اللبنانيون، أكثر وحدة وتماسكاً مما كانوا عليه منذ سنوات طويلة، مدركين لخطورة الانزلاق لحرب أهلية جديدة، وخطر تحويل بلادهم إلى مسرح جديد لحروب الوكالة بين إيران والسعودية ... لم يغيّر اللبنانيون مواقفهم واصطفافاتهم، ولكنهم أظهروا وعياً مفاجئاً، بالحاجة لإغلاق الشقوق التي يمكن أن تتسلل منها رياح الحرب و"الفتنة" وفقاً للتعبير الأكثر شيوعاً في الأدبيات السياسية والإعلامية اللبنانية.

وإذ استشعر لبنانيون كثر، ومن البيئة السنيّة على وجه الخصوص، أن ثمة محاولة سعودية – خليجية، لإحلال زعامة جديدة محل زعامة الرئيس سعد الحريري، تارة من داخل بيته وأسرته، وأخرى من بين رموز تيار المستقبل الآخرين، قيادة أكثر تساوقاً مع طموحات ورزنامة ولي العهد السعودي الأمير الشاب محمد بن سلمان، فقد تدفقت ردود أفعالهم في الاتجاه المعاكس تماماً، وبدت الأصوات التي تدعو لاستعجال قبول الاستقالة وتكليف شخصية أخرى بتشكيل حكومة جديدة، على أسس جديدة، معزولة تماماً، وتغرد خارج سرب الإجماع السنّي الذي رعته دار الفتوى وأسرة الحريري وتيار المستقبل، فضلاً عن الإجماع الوطني المتحقق حول شعار رئيس الجمهورية: عودة الحريري أولاً، وبعد ذلك لكل حادث حديث.

أما على المستوى الإقليمي، فقد بدا أن عدداً كبيراً من دول "الاعتدال السنية" كمصر والأردن وعمان والكويت وغيرها، فضلاً عن تركيا، ما زالت تدعم سياسة "تحييد لبنان" وتوفير شبكة أمان لأمنه واستقراره، وتجنيبه خطر الالتحاق بدول الأزمات والحروب المندلعة فيها وعليها ... الأمر الذي أفقد الخطوة السعودية الكثير من عناصر قوتها وزخمها، وأحال الاستقالة، واحتجاز الحريري استتباعاً، من ورقة ضغط سعودية على لبنان، إلى ورقة ضاغطة على المملكة ذاتها.

دولياً، تتالت مواقف عواصم القرار الدولي المطالبة بإنهاء الوضع "الشاذ" الذي يعيشه الحريري في المملكة، وصدرت عن باريس ولندن وبرلين ورما وبروكسيل وموسكو مواقف تؤيد إجماع اللبنانيين وتطلب من مختلف الدول والحكومات والأحزاب، عدم تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة لـ "حروب الوكالة"، وقد أيدت واشنطن متأخرة بعض الشيء هذه المواقف، ما أثار تساؤلات حادة في بيروت حول ما إذا كانت واشنطن تدعم خطط السعودية استبدال قيادة الحريري بقيادة أخرى، ووضع حد للتسوية التي مكنت من ملء الفراغ الرئاسي وأعادت تفعيل مؤسسات الدولة اللبنانية، أم أن الأمر مجرد انعكاس لحالة "فوضى المواقف والتصريحات" التي تصدر عن مراكز صنع القرار في واشنطن؟ ... تبني البيت الأبيض لمضامين بيان وزير الخارجية ريكس تيلرسون، طمأن اللبنانيين بأن تغييراً جذرياً لم يطرأ على السياسة الأميركية حيال لبنان، وجعلهم أكثر ثقة بفرص تفادي السيناريو الأسوأ.

سيعود الحريري إلى لبنان في غضون أيام قلائل، وتنتظر اللبنانيين ثلاثة سيناريوهات في المرحلة القريبة المقبلة: الأول، أن يعود الرئيس عن استقالته، ويستأنف عمله كرئيس للحكومة حتى الانتخابات المقبلة المقررة في أيار/ مايو من العام القادم، مع ترتيب "مائدة حوار" تبحث في القضايا الخلافية بين الأفرقاء اللبنانيين والإقليميين، من دون استعجال الحسم والنتائج... الثاني، أن يصر على استقالته، ويقبلها رئيس الجمهورية، ويشرع في إجراء استشارات نيابية ملزمة، تنتهي إلى إعادة تكليف الحريري بتشكيل حكومة جديدة، وهي عملية من المنتظر أن تستغرق عدة شهور، تقوم الحكومة في أثنائها بـ"تصريف الأعمال" حتى الانتخابات القادمة ... والثالث، تكليف شخص آخر غير الحريري في حال أبدى الأخير رغبة في الابتعاد عن المشهد والانصراف إلى الاهتمام بأعماله وشؤون أسرته، التي تمر بوضع عصيب كما تؤكد المصادر، وعندها يبدو أن لبنان سيدخل في نفق طويل نسبياً، يصعب التكهن بمداه أو بكيفية الخروج منه.

أغلب التقديرات ترجح السيناريو الأول، وهي تضيف أن مرامي خطة "الاستقالة المفروضة" على الحريري قد انقلبت إلى نقيضها، فالأخير بات اليوم الشخصية السنية الأكثر قوة من بين جميع منافسيه، من داخل العائلة وخارجها، وهو أظهر قدراً من المسؤولية والالتزام، تجعل منه مرشحاً وطنياً يمثل تياراً عريضاً من اللبنانيين، والأهم من كل ما تقدم، أن الأزمة الأخيرة كانت بمثابة فرصة لـ "إعادة التصويت على لبنان"، ثبت بنتيجته، أن أمن هذا البلد الصغير واستقراره وسلمه ما زال متطلباً إقليمياً ودولياً، وأن مختلف الأطراف واللاعبين الدوليين، يرون في استقراره استقراراً لهم، حتى لا تندلع حرب جديدة في منطقة، هي في غنى عنها، ولا يمكن التكهن بأنها ستظل في حدود لبنان وحده، وخشية أن يتفاقم في لبنان ومنه، خطر تجدد التهديد الإرهابي، وعودة ملف اللاجئين السوريين إلى تهديد أوروبا لاسيما بوجود أكثر من مليون ونصف المليون لاجئ سوري على أراضي هذا البلد المستضعف.

ـــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG