Accessibility links

علاوي الناجي من محاولتي اغتيال: 'أنا مهدد بالقتل'


انتخاب عناصر أمن كردية

بقلم نضال منصور/

حتى سقوط نظام الرئيس صدام حسين، كانت الاستخبارات العراقية تنشط في الأردن، وتمثل حالة قلق للمعارضين العراقيين الذين كانوا يتحركون ويتواجدون في عمان، وخاصة بعد احتلال العراق للكويت، وما تبعها من أحداث انتهت بتحرير الكويت.

الأمر لا يرتبط بأجهزة الاستخبارات وحدها، وكان الأهم أن الأردن يعتبر معقلا لمناصري صدام حسين والبعثيين، وكان من الصعب أن تجد في وسائل الإعلام الأردنية "أصوات معارضة" يمكن أن تقدم خطاب نقديا للسلطة في العراق، وهذا الحذر كان يمتد كثيرا إلى الحكومات الأردنية.

تحرك الاستخبارات العراقية في الأردن والعالم ليست حكاية مفبركة، بل واقع عليه شواهد كثيرة. ما يستحق أن يروى اغتيال المعارض البارز الشيخ طالب السهيل عام 1994 والذي كان لاجئا سياسيا في الأردن، وكان مقربا من المرحوم الملك حسين، وحين اشتدت التهديدات الأمنية له في عمان، غادر إلى بيروت وهناك جرت عملية اغتياله، وأوقف 4 دبلوماسيين عراقيين اتهموا بقتله، وانتهت هذه المأساة في ذلك الوقت بقطع العلاقات بين بغداد وبيروت.

العراق فقد سيادته، المصالحة الوطنية انتهت وقبرت، سياسات التهميش والإقصاء قائمة

يتندر الكثير من السياسيين الذين عاشوا مرحلة العمل الاستخباري وملاحقة المعارضين، بالتذكير بالسفير العراقي المعروف في عهد صدام السيد نوري لويس ويصفون سيارته الدبلوماسية بسيارة "نقل الموتى"، في غمز ولمز إلى سياسيين ومعارضين أوصلهم للحدود الأردنية العراقية أو بغداد وقتلوا أو اختفوا، روايات قد يصدقها البعض ويكذبها أخرون.

اقرأ للكاتب أيضا: عمار الحكيم: "البعبع" الطائفي أكذوبة كبرى

تغير الأمر مع مجيء السياسي والنائب الأسبق عبد الكريم الكباريتي وزيرا للخارجية في الأردن، ثم تقلده رئاسة الحكومة في عام 1996، أذ قرر الكباريتي كسر "التابوهات" والخطوط الحمراء، والانفتاح على دول الخليج، وإنهاء القطيعة مع الكويت، وترميم العلاقات معها، وغض النظر عن تحرك المعارضين العراقيين.

تزامن هذه التحول السياسي، مع تأسيس جريدة "الحدث" في عمان عام 1995 وسعيها منذ أول أعدادها إلى الانفتاح على كل التوجهات، ولأول مرة تجرؤ صحيفة أردنية على إجراء لقاءات مع سياسيين عراقيين يعلنون رفضهم لحكم صدام حسين والسعي لإسقاطه.

كنت مؤسسا للجريدة ورئيسا لتحريرها، وشنت علينا حملة تشهير واسعة، اتهمنا فيها بشيطنة النظام العراقي، والتعامل مع عملاء أميركا والغرب، والمقصود "المعارضة العراقية".

قلت يوما لأبرز قيادي في حزب البعث بالأردن المحامي أحمد النجداوي: هل نحجب موقف حزبكم في جريدتنا الحدث وأنتم تعارضون الحكومة الأردنية، فأجابني لا، فقلت له: إذن من حق المعارضة العراقية أن تقول رأيها مثلما نفعل معكم!

لم ينته الأمر عند العتب، ففي عام 1996 تلقينا تهديدات من مصادر مجهولة، وأبلغني رئيس الحكومة الكباريتي في لقاء معه بضرورة توخي الحذر، وبأنه سيطلب من الأجهزة الأمنية تأمين حراسة لمكاتب الجريدة، واتصل بعدها مدير الاستخبارات آنذاك سميح البطيخي ليطمئن ويؤكد لي متابعة الأمر، وعلمت فيما بعد أن التهديدات مصدرها أمني عراقي.

استمرت "الحدث" في تغطيتها للشأن العراقي من زاوية لم تقترب منها وسائل الإعلام الأردنية، وفي ذلك الوقت تعرفت إلى إياد علاوي زعيم حركة الوفاق الوطني بعد أن أجرى حوارا صحفيا مع جريدة الحدث، وكان علاوي يتنقل بين عمان وبيروت ولندن، ويرتبط بعلاقات مميزة مع السياسيين في الأردن وأولهم رئيس الحكومة الكباريتي، وسمحت الحكومة لحركة الوفاق أكثر من غيرها من التيارات السياسية المعارضة أن تتحرك من عمان ويكون لها مكتبها الإعلامي.

علاوي كان أكثر من غيره من السياسيين العراقيين يعرف كيف يوجه "لكمات" موجعة لسلطة صدام حسين، فهو المعارض القادم من صلب "حزب البعث"، ورغم اختلافه المبكر مع الرئيس العراقي الأسبق أحمد حسن البكر ومساعده صدام عام 1971 ومغادرته إلى بيروت، ثم سفره إلى لندن لإكمال دراسة الطب، فإن "لعنة البعث" ظلت تلاحقه حتى هذا اليوم.

ليس هذا فحسب فرغم تصدره المشهد السياسي في العراق، واختياره رئيسا لأول حكومة انتقالية بإجماع مجلس الحكم، إلا أن هذه اللعنة بقيت تطارده وما تزال توجه له الاتهامات بأنه "بعثي الهوى" في الحكم الجديد ما بعد انهيار سلطة صدام.

لم تشفع له وترحمه من الاتهامات تعرضه لمحاولة اغتيال بشعة في لندن عام 1978، حين أقدم رجل اتهم بأنه من الاستخبارات العراقية على اقتحام شقته ومحاولة قتله بضربه بـ"بلطة". أنقذته الأقدار وبقي يتلقى العلاج ما يقارب العام في مستشفيات بريطانيا.

طوال الساعات التي سبقت لقائي معه، في بغداد كنت أحاول أن أحدد مسارا للحوار معه وهو الغاضب على العملية السياسية في العراق، ولهذا لم أفاجئ حين قال لي بشكل واضح: "بعد الانتخابات إذا شعرت أن الأوضاع لم تتغير، فإنني سأنسحب من العملية السياسية، وسأحاربها سلميا، وتابع ضاحكا "أنا لا أملك أسلحة نووية ولا غيرها".

لا يشعر إياد علاوي أن الأمور تسير بالمسار الصحيح، والأمر لا يعود برأيه لهذه الأيام، وإنما يعود إلى حكومته الانتقالية، فيطلعني "أن المرحوم عبد العزيز الحكيم جاءه وقال له: السيد أرسلنا لك لنقوم بتشكيل قائمة شيعية، فأجابه صحيح أنني شيعي بامتياز، لكن لن أكون مع هذا التوجه، ولن أشكل قائمة طائفية، ولست مستعدا للبقاء برئاسة الوزراء على أساس طائفي".

علاوي الذي يقود ائتلاف الوطنية في الانتخابات لا يصنف بالعراق باعتباره زعيما طائفيا، فهو يحسب على السنة أكثر من الشيعة مع أنه "شيعي"، ويحسب أكثر وأكثر بأنه "علماني"، ولهذا كانت فرصته أكثر من غيره لاختياره رئيسا للحكومة المؤقتة.

كنت مصدوما من تشاؤم إياد علاوي خلال اللقاء، فحديثه يأتي معاكسا للإيجابية وروح التفاؤل التي تحدث بها عمار الحكيم، وحين سألت علاوي هل ستتغير الأوضاع بعد مضي 15 عاما على الحكم الجديد؟

يعترف علاوي بأن أطراف دولية وإقليمية تتدخل في العراق وتعبث به

أجاب علاوي: "العراق فقد سيادته، المصالحة الوطنية انتهت وقبرت، سياسات التهميش والإقصاء قائمة حتى الآن، والمحاصصة التي أقيمت عليها بقايا ما يسمى بدولة العراق دمرتنا، السنة مغضوب عليهم، والشيعة مغضوب عليهم، ماذا تبقى ثلاثة في المئة من الشيعة يحكمون العراق، هذه أسباب تدهور أوضاعنا".

ويواصل علاوي الذي يرى بأن الخطيئة الأولى لأميركا في العراق كانت قرار اجتثاث البعث، وحل الجيش ليقول "لن تنجح المصالحة الوطنية، فهم يريدون سحق كل من كان بعثيا وقطع أرزاقهم وتحويلهم إلى بؤر معدمة".

يعترف علاوي بأن أطراف دولية وإقليمية تتدخل في العراق وتعبث به، ويصف السيادة العراقية بأنها "سكر خفيف".

يعتبر علاوي أن قصة استفتاء كردستان "مؤامرة" دون أن يخوض ويفصح عن تفاصيلها، ويستغرب كيف انتظرت كل الأطراف الدعوة للاستفتاء حتى اللحظات الأخيرة دون أن تتدخل لتطويقها. يتساءل "ماذا كانت تفعل أميركا وهي التي تصف البرزاني بأنه بطل التحرير من "داعش"؟ تركيا وإيران تريدان تفاقم المشاكل الداخلية، وحكومتنا لم تتدخل بشكل وقائي".

لا يبرر علاوي قرار الاستفتاء ويصف إصرار مسعود برزاني عليه بالخطأ، ويكشف أنه تحدث معه بلهجة قاسية وقال له "كركوك خط أحمر، والاستفتاء خطوة فاشلة، وعليك أن تعلن للعراقيين لماذا توجهت لهذا القرار؟".

البرزاني يجيب علاوي: الحكومة تعاملنا معاملة الـ... فلماذا نبقى في العراق؟

يتوقف الحديث مع إياد علاوي عند احتلال "داعش" للموصل وانهيار الجيش بسرعة، وهو يرى أن الأمر حدث قبل عام 2014 بكثير وقال لي: "سأعيدك لعام 2012 عند هروب آلاف الدواعش من السجون والمعتقلات، ولم يحقق أحد بعملية الهروب، وشكل مجلس النواب لجنة بـ "الكذب" لم تفعل شيئا".

اقتحامات عسكرية للسجون وهروب 4 آلاف سجين مرة واحدة، ولم يحققوا بذلك، ولم نعرف من وراء ذلك، وكيف حدث الأمر، تلمست وفهمت من كلام علاوي أنها مؤامرة مبيته ومخطط لها.

ويستهجن علاوي الإشاعات والكلام الذي يقول إن البعثيين هم المحرك والعقل المدبر و"داعش" ليس إلا واجهة ويكتفي بالرد "البعثيون أصبحوا شماعة تحمل عليها كل الأخطاء".

يكمل علاوي كلامه "لن نذيع سرا حين نقول إن الموصل سقطت بيد الإرهابيين قبل 4 شهور من إعلان سقوطها".

ويجيب على الأسئلة الاستنكارية عن هزيمة الجيش بيوم واحد وهروبه "لم يبق جيش، الهوية الوطنية سحبت منه، ولذلك انهارت مقاومته، ولولا بطولة أهل الموصل وتضحياتهم لما استطعنا تحريرها".

ويستمر علاوي بعرض الحالة السوداوية للواقع وهنا يتوقف ليكاشفني بأنه مهدد بالقتل، وأن مسؤولين بالحكومة أبلغوه بذلك.

كنت أعتقد بأن علاوي يستخدم هذه الاتهامات من قبيل استقطاب الشعبية، وإظهار أنه ضحية لخلق تعاطف شعبي معه، إلى أن صدمت بخبر اغتيال أحد المرشحين من قائمته "ائتلاف الوطنية" بمحافظة نينوى الدكتور فاروق زرزور.

يرى علاوي بعد حادثة الاغتيال وبحسب تصريحات إعلامية أن استهداف ائتلاف الوطنية مسلسل ممنهج، وأن العملية السياسية والانتخابية وصلت إلى مستوى متدن من الابتذال.

سألته هل لقائمته فرصة للمنافسة، وهل يراهن أن تغير نتائج الانتخابات الوضع؟

أي انتخابات تتحدث عنها هكذا يرد علاوي ويواصل، قالوا لي: "الإعداد جاري لقتلك، القائمة الوطنية ليست دولة، ولا يوجد لدينا وزراء يسرقون، ونحن قائمة ليست طائفية، وأنا شيعي عربي، وهذا جلدي ولن أغيره، يافطاتنا تمزق ومرشحونا يتعرضون لمحاولات اغتيال".

يعتقد رئيس الوزراء الأسبق في العراق الجديد بأن أزمته ستستمر مع الحكومة يعني أن المشكلة ليست مع الرئيس حيدر العبادي، بل في "السيستم" ويعزي الأمر إلى سيطرة أحزاب إسلامية متطرفة على الوضع وهي "تتحرك وتخرب".

يربط علاوي استمراره بالعملية السياسية بالثورة على نظام المحاصصة الطائفية والتخلي عنه

يربط علاوي استمراره بالعملية السياسية بالثورة على نظام المحاصصة الطائفية، والتخلي عنه، ويعلن بكل حسم "يجب أن يتغير، هذا ليس بالدستور، وأنا أشارك لأغير هذه الإفرازات الطائفية، وإذا استمرت الأوضاع بهذا الشكل سأنسحب".

لا ينفي علاوي تفشي الفساد بالعراق ويوجه أصابع الاتهام لمرحلة التواجد الأميركي وما بعده، كاشفا عن إحالة ثلاثة وزراء للتحقيق بقضايا فساد، وحين خرج من رئاسة الحكومة أغلقت ملفاتهم.

يقول علاوي منفعلا "حين كنت رئيسا للوزراء اتخذنا قرار باللجنة الاقتصادية العليا بأن حدود صلاحية الوزير أن يوقع عقدا لا تزيد قيمته عن 5 ملايين دولارا"، ويسألني هل تعلم كم صلاحية الوزير الآن؟ أهز رأسي نافيا، فيجيب "100 مليون دولار!".

اقرأ للكاتب أيضا: بغداد تهزم الموت والإرهاب وتبشر بعراق جديد بعد الانتخابات

انتقل مع علاوي من الحديث عن الفساد إلى سلطة الدولة والخارجين عليها.

أسأله هل ترى أن "الحشد الشعبي" ميليشيات أم تعتبرهم جزءا من الجيش؟

يختصر إجابته بالقول "أنا مع انضمامهم للجيش والشرطة لمن هو مؤهل وقادر".

وأستفزه بالسؤال وهل توقفت المليشيات عن ممارساتها؟ فيدعوني إلى الذهاب لمحافظة صلاح الدين، وسامراء، لأرى ماذا فعلت الميليشيات، وكيف اعتقلت الناس، وزجتهم بالسجون منذ عام!

علاوي الذي عاد للعراق بعد الدخول الأميركي لا زال يصر على أن أميركا ارتكبت خطيئة كبرى بإعلان اجتثاث البعث وحل الجيش، ويرى أبعد من ذلك أن إدارة الرئيس السابق أوباما وقفت مع إيران بشكل واضح، أما الرئيس الأميركي ترامب فيعتقد أنه ما زال يتلمس طريقه.

علاوي الناجي من محاولتي اغتيال الأولى زمن صدام، والثانية في النجف حين كان رئيسا للحكومة قادر على البقاء والصمود رغم كل الحروب والاتهامات ضده، ربما يراهن أنه الأجدر بقيادة عراق ما بعد الطائفية.. فماذا تخبئ له الأيام القادمة؟!

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG