Accessibility links

متحف رائد يحتفي بالكتاب الأميركيين


متحف الكتاب الأميركيين في شيكاغو

بقلم رياض عصمت/

متحف للكتّاب الأميركيين؟ إنها مبادرة عظيمة تستحق أن تفخر بها شيكاغو في زمن تضاءل فيه اهتمام الناس بالمطالعة لصالح اهتمامهم بتصفح الإنترنت ووسائل الاتصال الجماهيري. بالتأكيد، تراجع الاهتمام بالأدب ليس ظاهرة أميركية بل أوروبية، وبالأحرى عالمية. لو أجري استفتاء عمن هو أشهر فنان نمساوي، لفاز آرنولد شوارزنيغر على موزارت. لكن الناس في العواصم الأوروبية الكبرى يقرأون بكثافة تزجية للوقت خلال ركوبهم المترو لزمن طويل يوميا، وهم يقرأون أدباء جادين مثل كافكا وماركيز. أذكر في بدء عهدي بالنشر في العالم العربي في مطلع السبعينيات أن عدد النسخ كان وسطيا 3000 نسخة، وربما وصل أحيانا إلى 10000، بينما تراجع عدد النسخ المطبوعة منذ أواخر القرن الماضي إلى 1000 نسخة، وأصبح بعض الكتب في القرن الحادي والعشرين لا يطبع سوى 500 نسخة. الأمر له علاقة، بالتأكيد، بسوء التوزيع ، لأن الكتاب صار لا يوزع إلا داخل البلد الواحد قليل عدد السكان وضمن معارض الكتب، إلا إذا نشر في مصر ذات الكثافة السكانية، أو في لبنان الضليع في التوزيع في مشرق العالم العربي ومغربه.

عندما أبلغني الشاعر والأديب ريجنالد غيبون Reginald Gibbons بالصدفة المحضة قبل بضعة أشهر أن "متحف الكتاب الأميركيين" افتتح في قلب شيكاغو، كانت تلك مفاجأة سعيدة ومدهشة حقاً. زرت المتحف مؤخراً، فوجدته متحفاً فريداً من نوعه ونادر المثال، يحتفي بتاريخ عريق يفاجئ الزائر الأجنبي، وربما حتى الزائر الأميركي، بسبب جمعه لهذا العدد الهائل من صور وسير الأدباء والنقاد منذ القرن الثامن عشر إلى العصر الحديث. كثيراً ما كان يشاع في بلدان تروج العداء للسياسة الأميركية أن الولايات المتحدة قوية عسكريا واقتصاديا، لكنها فقيرة حضاريا بالمقارنة مع التراث الأوروبي الغني. يثبت "متحف الكتاب الأميركيين" American Writers Museum زيف هذه المقولة وبطلانها، ويثبت أن تاريخ الأدب حافل بأسماء مبدعين في الرواية والقصة القصيرة والشعر والمسرح والمقالة النقدية. يكفي أن نعرف أن ثلاثة رؤساء أميركيين في التاريخ، على أقل تقدير، كانوا في عداد أولئك الكتاب الذين يحيي هذا المتحف ذكراهم، وهم توماس جيفرسون، إبراهام لينكولن وثيودور روزفلت.

سوف يصعب ذكر أسماء الأدباء الأميركيين كافةً في هذا المتحف، رغم صغر حجمه نسبياً، إذ يقع في الطابق الثاني من بناء أنيق في وسط شارع التسوق الشهير "ميتشيغن" في وسط شيكاغو. تبقى بعض الأسماء محفورة في الذهن في أجناس الأدب المختلفة. في الرواية، لا يمكن أن ينسى أحد ناثانيال هوثورن مؤلف رواية "الحرف القرمزي"، وهرمن ملفيل مؤلف روايات "موبي ديك" و"تايبي" و"أومو"، كما لا يمكن أن ينسى أحد أرنست همنغواي مؤلف روايات "وتشرق الشمس أيضاً" و"لمن تقرع الأجراس" و"ثلوج كليمنجارو"،وكذلك ف. سكوت فيتزجيرالد مؤلف رواية "غاتسبي العظيم". كما لا يمكن أن ينسى أحد مارك توين مؤلف "مغامرات هكلبري فين"، أو هارييت بيشر ستو مؤلفة "كوخ العم توم"، أو مارغريت ميتشل مؤلفة "ذهب مع الريح". ولا يمكن أن ينسى أحد وليم فوكنر مؤلف "الصوت والغضب" و"بينما أرقد لأموت"، وجون ستاينبك مؤلف "عناقيد الغضب" و"رجال وفئران"، ولا يمكن لأحد أيضاً نسيان لويزا ماري ألكوت مؤلفة "نساء صغيرات"، أليس والكر مؤلفة "اللون الأرجواني، وتوني موريسون مؤلفة رواية "محبوبة"، وهاربر لي وروايتها "قتل عصفور ساخر"، وجاك كيرواك وروايته "على الطريق" التي كرست جيل "البِيت"، وجاك لندن مؤلف "عشرة أيام هزت العالم"، وواشنطن إيرفينغ، وهنري جيمس، ونورمان ميلر، وجون آبدايك، وترومان كابوت، وريموند تشاندلر، وداشيل هاميت. ولربما يفاجأ المرء حين يعلم أن فلاديمير نابوكوف مؤلف رواية "لوليتا" الشهيرة مصنف بين الأدباء الأميركيين بالرغم من أصله الروسي. أما في مجال المسرح، فلا يمكن لأحد أن يغفل فضل يوجين أونيل مؤلف "الحِداد يليق بإلكترا"، وثورنتون وايلدر مؤلف "مدينتنا"، وتنيسي وليامز مؤلف "ترام اسمه الرغبة" و"الحيوانات الزجاجية"، وآرثر ميلر مؤلف "كلهم أبنائي" و"موت بائع جوال" و"البوتقة"، وعديد من المؤلفين المسرحيين الآخرين. في القصة القصيرة، لا يعقل أن ينسى أحد رائد الحداثة إدغار ألن بو بقصصه الغرائبية المشوقة مثل "سقوط منزل آشر"، ولا ينسى أو. هنري بقصصه الإنسانية الرائعة جميعاً. في الشعر، لا يمكن لأحد أن ينسى الشاعر والت وايتمان، مؤلف "أوراق العشب"، والشاعر ت. س. إليوت، مؤلف "الأرض اليباب" و"أربعاء الرماد"، كما لا يمكن نسيان الشاعرة إميلي ديكنسون، وروبرت فروست ودبليو. إتش. أودن وسواهم. بعض هؤلاء حاز جائزة "نوبل" للآداب، وكثير منهم حازوا جوائز "بوليتزر" أو "توني" أو سواها.

نُظِّم عرض الأدباء وصورهم ومقتطفات من أقوالهم المأثورة وسطور من إبداعاتهم الخالدة بوسائل مكثفة وجذابة لزائر المتحف. إنه متحف يجب أن يزوره الشباب خاصةً ليتعرفوا إلى مبدعي أميركا الكبار على مرِّ العصور، والذين أضافوا إلى سجل الإنسانية العظيم. يشكل "متحف الكتاب الأميركيين" في شيكاغو خطوة رائدة لظاهرة حضارية راقية نأمل أن تسري عدواها إلى المدن الأميركية الأخرى لتعيد إلى الأدب اعتباره في عصرٍ تراجع فيه الاهتمام بالكتاب وكتبهم، إذ يذكِّر هذا المتحف وسواه من المتاحف أجيالاً وراء أجيال بالقيم الجمالية والفكرية التي حققها مبدعون كبار حُفظت أسماؤهم في سجل الإبداع العالمي إلى الأبد من خلال إنجازاتهم الخالدة.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG