Accessibility links

الإسلام ليس المشكلة وليس الحل


مسلمون في مسجد، أرشيف

بقلم عمار عبد الحميد

في خضم المواجهات التي يقوم بها المسلمون اليوم، على اختلاف أعراقهم وقومياتهم ومشاربهم وتوجهاتهم، مع تحديات العيش في عالمنا "الحديث"، ذلك العالم الذي ماتزال مشاركتهم في بنائه والتأثير على مجرياته هامشية إلى درجة كبيرة، هناك مغالطة كبيرة بات لزاماً عليهم أن يتفادوا ارتكابها لما في ذلك من تبديد لجهودهم وطاقاتهم النفسية والفكرية.

تنبع المغالطة من الاعتقاد أن للإسلام دورا استثنائيا في حياتهم: فهو إما المشكلة الأساسية التي ينبغي عليهم مواجهتها ومعالجتها، أو أنه الحل الأمثل والأنجع الذي لا يمكن لغيره أن ينتشلهم مما هم فيه من تخلف وجهل.

لكن الواقع أن تخلف المجتمعات ذات الغالبية المسلمة اليوم ينبع في الدرجة الأولى من غياب الإرادة السياسية في التغيير، والدليل أن دولاً ذات غالبية مسلمة مثل ماليزيا وإندونيسيا وتركيا ومن خلال تبنيها لأنظمة سياسية أكثر انفتاحاً وديموقراطية، على الأقل نسبياً، مما هو سائد في الدول العربية، استطاعت أن تحقق درجة جيدة من التنمية والتقدم على الرغم من وجود تيارات محافظة بل ومتشددة فيها.

نعم، ما تزال هذه الدول تعاني من مشاكل جمة تتعلق ببعض العادات والمعتقدات الدينية الإسلامية أو المؤسلمة، لكن هذا لا يعني أن الإسلام هو المشكلة الأساسية فيها. لأن ظاهرة الصدام والصراع بين قيم الحداثة من جهة والعادات التقليدية السائدة في المجتمعات من جهة أخرى هي ظاهرة عالمية الطابع لا تنجو منها حتى المجتمعات الغربية التي نشأت قيم الحداثة من تفاعلاتها الخاصة، إذ ماتزال ظاهرة الصراع ما بين قيم الحداثة، تلك القيم التي ساهمت في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وغيره من المواثيق القانونية الدولية، وبين العادات والمعتقدات المرتبطة بالديانات التقليدية مثل الإسلام والمسيحية والهندوسية والبوذية وغيرها، تفرز تناقضات كثيرة في كل المجتمعات البشرية، وهذا ما يعطي كل منها خصوصيته الحالية، فنجد دولة مثل الهند تنجح في تطوير تقنيات تمكنها من إطلاق الأقمار الصناعية في ذات الوقت الذي تستمر فيه معاناتها من التبعات الهائلة الاجتماعية والسياسية لنظام الكاست. وجاء نجاح الهند نتيجة لوجود قناعة حقيقية بضرورة التغيير والتحديث عند النخب المتنفذة وإرادة سياسية كافية لديها لتبني السياسيات المناسبة لتحقيقه، أما الفشل فيعود لصعوبة تغيير العادات والتقاليد الراسخة والتي يؤمن كثيرون بقداستها.

فالتغيير هنا لا يعتمد على التعليم فقط وتقليص الفجوة التنموية ما بين الريف والمدينة بل على القدرة على إفراز قفزة أو طفرة في الوعي الفردي والجمعي للناس وهو أمر لا يحدث إلا من خلال التجربة والسياق التاريخي على مدى عقود من الزمن ولا يمكن فرضه أو تعجيله بالقوة. ويشكل وجود تيارات سياسية ترى في استغلال المقدسات ومعارضة التغيير وسيلة لتحقيق مآرب بعينها عقبة كبيرة على الطريق. وتوجد هذه التيارات في كل المجتمعات، وعادة ما يطلق عليها في المجتمعات ذات الغالبية المسلمة التيارات السلفية أو الإسلامية أو الإخوانية.

وتجيد هذه التيارات التلاعب بمشاعر الناس من خلال اللعب على وتر المقدس مع خلطه بالنزعات القومية وصراعات الهوية المحلية، لكن الهدف الأساسي لها يبقى دائماً مرتبطاً باشتهاء السلطة. إن المجازر البشعة التي يقودها الرهبان البوذيون في ميانمار ضد الروهينجا، الأقلية المسلمة في دولتهم، لا تنبع من عداء حقيقي حيال المسلمين بقدر ما تهدف إلى تحسين موقف تيارهم السياسي وتحسين العلاقة بينه وبين القيادات العسكرية التي ماتزال تدير شؤون الدولة من وراء الستار. وربما كان الأمر محاولة لخلق هوية بوذية جامعة لهذه الدولة متعددة القوميات والأعراق التي تؤمن غالبية شعوبها بالديانة البوذية وتنتمي إلى طائفة التيرافادا.

الهدف من وراء هذه الملاحظة هو التنبيه إلى محورية الصراعات والأجندات السياسية في ما يتعلق بكل هذه التطورات، وإلى كون الدين مجرد وسيلة للتعبئة والتجييش. إن التعامل مع الدين على أنه المشكلة الأساسية يخدم قضية من يطرحونه كالحل الوحيد ويسهل عليهم مهمة تصوير خصومهم السياسيين على أنهم أعداء للدين والأمة. ولهذه الظاهرة تجلياتها في كل المجتمعات، وغالباً ما تتخذ هذه التجليات منحى عنفياً في المجتمعات التي تعاني من مشاكل تنموية عميقة ومن هشاشة بنيتها السياسية مما لا يسمح لها بوقاية نفسها من التدخلات الخارجية الإقليمية والدولية.

لا يشكل الإسلام والمجتمعات الإسلامية إذن حالة استثنائية. نعم، للمجتمعات الإسلامية خصوصياتها من دون شك، لكن الخصوصية شيء والاستثنائية شيء آخر. إن إصرار المتطرفين على التعامل مع وجودهم ومعتقداتهم على أنها استثنائية الطابع يعكس وجود عقد نقص بعينها عندهم كأفراد، وعلى وجود طموحات وأجندات سياسية خاصة عند النخب المؤثرة في صفوفهم، لكن المتشددين في خاتم المطاف لا يملكون حلولاً للمشاكل التنموية والاجتماعية التي تواجها مجتمعاتهم بل هم في الواقع جزء من هذه المشاكل، ولا يمكن لهم أن ينموا كتيارات وجماعات سياسية إلا من خلال استثمارها واستدامتها، مما يجعلهم الوجه الآخر للأنظمة الاستبدادية.

وللحديث بقية.

------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG