Accessibility links

هل يستحق أثر فني خسارة روح بشرية؟


عناصر من داعش تدمر القطع الأثرية في متحف الموصل

بقلم كوليت بهنا/

الخوض في ملف الآثار السورية المتورطة فيه مافيات دولية وأطراف عدة وفي مقدمها تنظيم داعش الإرهابي الذي شكل له بيع الآثار ثاني أكبر مصدر دخل بعد النفط، واحد من أصعب التحديات المستقبلية أمام السوريين، إذ تكشف كارثيته المضافة إلى عشرات الملفات الكارثية، أن متابعته وتدقيقه تحتاج إلى عشرات السنوات دون التأمل بنتائج إيجابية خالصة. وخلال مرور سريع على بعض المعلومات حول هذا الملف بغرض دراسة خاصة، استوقفني بل أبهجني تحقيق خاص نشرته مجلة (صور) يفيد بأن مجموعة قوامها حوالي 200 شخص من الآثاريين والناشطين المهتمين بحماية التراث الثقافي السوري قد تم تشكليها عام 2015 تدعمهم منظمات غير حكومية حول العالم، تم تدريبهم من قبل اختصاصيين دوليين في مدينة غازي عنتاب التركية، يعملون بسرية مطلقة محاولين وقف عمليات تهريب وسرقة الآثار، إضافة إلى توثيق الانتهاكات ومحاولة حفظ بعض القطع في أماكن آمنة. التحقيق الذي استند في معلوماته إلى تحقيق موسع لصحيفة "وول ستريت جورنال" نشرته في العام ذاته حول هذا المشروع، أشار إلى أن هذه المجموعة تعمل كما عملت مجموعة (رجال الآثار) التي تكونت خلال الحرب العالمية الثانية لإنقاذ التراث الثقافي الأوروبي من ألمانيا النازية، وألهمت حكايتهم سيناريو فيلم (رجال الآثار-the monuments men).

(رجال الآثار) الذي شاهدناه كواحد من أجمل الإنتاجات السينمائية الأميركية لعام 2014، كتبه جرانت هيسلوف، وشارك النجم جورج كلوني في كتابته وإنتاجه إضافة إلى إخراجه وبطولته مع "مات ديمون" و"كيت بلانشيت" و"بيل موراي" والفرنسي "جان دو جاردان". تجلت قوة تأثيره حين عرضه مع كارثة تدمير التراث الثقافي والإنساني المادي جراء الحروب المشتعلة منذ أعوام في كل من سوريا والعراق واليمن، مع أهمية الفكرة الحقيقية لتشكيل نواة دولية دائمة لحماية الآثار في أي حرب قادمة.

تدور أحداث الفيلم في مارس 1943 قبيل نهاية الحرب، حيث يكلف الرئيس الأميركي الأسبق روزفلت فريقا مؤلفا من ثمانية متخصصين في تاريخ الفن للتوجه إلى أوروبا للبحث عن آلاف الآثار الفنية التي تمت سرقتها من قبل النازيين، وإنقاذ ما تبقى منها، أو وضعت ضمن الخطط النازية للسرقة. وهي أعمال نادرة سرقت من كنائس ومتاحف باريس وبلجيكا لرغبة الزعيم النازي (الرسام) في إقامة متحف الفوهرر في برلين وافتتاحه بعد النصر الذي كان يعتقد أنه سيحققه.

الفريق الذي تشكل من مدراء متاحف ومتخصصين في تاريخ الفنون وترأسه النجم كلوني، اشترط أفراده كمدنيين سلميين كارهين للعنف والدم، عدم مشاركتهم في القتل وأنهم جاؤوا لإنقاذ الفن والجمال لا أكثر. لكنهم في لحظة مواجهة حقيقة الحرب، سيطرح الفيلم سؤاله الجوهري عليهم إن كان العمل الفني -أيا كانت قيمته- يستحق خسارة روح بشرية لأجله؟؟ في الإجابة على السؤال سينسى بعض أعضاء الفريق التعليمات بأهمية حياتهم، وسيطلقون النار في مواجهة العدو، ويضحون بأرواحهم لأجل إنقاذ تحفة فنية، حيث يتفوق شغفهم الفني ومشاعرهم على أهمية حيواتهم كبشر عابرين، فيما لا يمكن برأيهم التعويض عن آثار تشكل عشرة قرون من التراث الإنساني، وضياع التاريخ المادي يعني انكسارا عظيما لقيم الإنسانية وجوهرها.

السينما الجميلة التي اقتبست هذا الفيلم عن قصة حقيقية وأضاءت عليها بعد سبعين عاما، عادت ولعبت دورها الخلاّق كملهمة، فحرّضت وأنتجت فعلا على أرض الواقع تجسّد بعد عام واحد بالمجموعة الحيّة الحقيقية ( رجال الآثار السوريين) المشار إليهم أعلاه، وأحيت سؤال الفيلم الجوهري عبر تذكر بطولة استشهاد عالم الآثار التدمري الدكتور خالد الأسعد الذي أنقذ كنزا ذهبيا أثريا، لأجله دفع حياته ذبحا على يد داعش عام 2015.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG