Accessibility links

القومية العربية الغائبة في ذاتها والباقية في صرامة بدائلها


من تظاهرات تونس عام 2011 التي أطلقت موجة الربيع العربي (أرشيف)

بقلم حسن منيمنة/

لم تعد الفكرة القومية العربية، ولا حتى العروبة كهوية ذاتية خارج إطار الالتزام العقائدي، ضمن دائرة المستساغ في العديد من الأوساط الثقافية في المحيط العربي. بل بالنسبة للبعض، قد يكون ثمة امتعاض حتى من عبارة "المحيط العربي" الآنفة، وبالتأكيد من عبارة "العالم العربي"، واستهجان لوصف "الربيع" بالعربي، ورفض صارم للحديث، رغم أنه يكاد أن يندثر، عن "الوطن العربي". فبعد ما يبدو للبعض وكأنه كان إفراطا في استدعاء الوجه العربي للثقافة والهوية والانتماء في عقود ماضية، تشهد المرحلة الحالية ما هو أقرب إلى التخلي، إلى حد التفريط، عن هذا الشكل من أشكال الجمع في الإطار الوطني وما يتعداه.

والمسألة ليست السعي إلى إعادة تأهيل العروبة على ما كانت عليه، بل استشفاف الإشارة إلى أوجه جموحها الماضي وفشلها الحاضر، والتنويه بأن ما يطرح بديلا عنها هو أقرب أحيانا إلى استنساخها، لا في صيغتها الهادئة، إن وجدت، بل في أشكالها الصارمة والمجحفة.

الطرح القومي العربي عاجز عن الانتقال من الوعد إلى الإنجاز

المآخذ على الفكرة القومية العربية عديدة، أولها دون شك جنوحها إلى الدمج القسري في تعريفها الذاتي لفئات وأوساط لا غلبة فيها لهذه الفكرة كأساس للهوية.

ففي العراق مثلا، في ظل نظام البعث، أدخل الآشوريون والكلدان ضمن تعداد العرب، رغم ضعف اتقان البعض منهم للغة العربية، ولاسيما الذين نزحوا من جبال هكاري (ضمن تركيا اليوم) وساكنوا الأكراد. التبرير، في حال كان لا بد منه، هو من خلال المزج في التعريف بين اللغة العربية وسائر اللغات السامية، ومنها اللهجات الآرامية الشرقية التي يتحدث بها الآشوريون والكلدان، والتدليس في المقومات التي من شأن القومية أن تقوم عليها، أي اللغة أو العرق أو الهوية الذاتية، والاكتفاء بأي منها، مهما بعدت أو ضعفت، لإلزام الجماعات بالتصنيف العربي.

اقرأ للكاتب أيضا: ما هي 'الحداثة'؟ وأين نحن منها؟

المبتغى في عراق البعث كان تقليص الحضور الكردي، وعليه فإن حساب العرب شمل التركمان والمندائيين بالإضافة إلى المسيحيين كافة، بل طال كذلك كل من تميز في أولوية هويته عن سائر الناطقين بالكردية، مثل اليزيديين والشبك. حتى أن نظام البعث في العراق قدم الحوافز، من فرص تعليمية ووظائف وسكن، لمن يتعرب من الأكراد، فيما اجتهد سرا بمتابعة سائر المعربين قسرا لضمان التزامهم بالهوية العربية والولاء له على مستويات عدة بما فيها تربيتهم لأولادهم.

واقع الأمر أن المقاربة البعثية في العراق، في توسيع تعريف العرب وتقليص تعريف الأكراد، موازية للمقاربة الإسرائيلية إزاء الفلسطينيين داخل إسرائيل نفسها، إذ يشمل مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي ضمن خانة اليهود كافة طوائف اليهود دون تمييز (ناموسيون، محافظون، إصلاحيون؛ إشكنازيم، سفارديم، مزراحيم)، بالإضافة إلى كل من ليس فلسطينيا من غير اليهود، بما في ذلك مئات الآلاف من الروس، سواء منهم الذين يجاهرون بالهوية الذاتية اليهودية دون أن يستوفوا التعريف الديني لليهودي، أو الذين كان قدومهم على أساس القرابة دون زعم الهوية (كالأزواج مثلا). وفي مقابل هذا التوسيع في تعريف اليهودي، تعمد المقاربة إلى التضييق على الفلسطيني، من خلال الفرز القومي (من خلال اعتماد "العرب" كفئة، مع إخراج الشركس والنور وغيرهم منها، وتصنيف الدروز والبدو كفئات متميزة) بالإضافة إلى الفرز الطائفي (بين مسلم ومسيحي). فأساليب التغلب القومي ليست حكرا على طرف.

والدمج القسري قد يكون عند أقصاه بما شهده العراق في ظل البعث، ولكنه سائد على مدى تواجد الطرح القومي، وإن بأشكال مختلفة. ففي مصر، والتي وظفت القومية العربية في زمن جمال عبد الناصر كوسيلة مستحدثة لتوطيد النفوذ المصري في عموم الجوار، تحققت القسرية ولا تزال بتجاهل الاختلاف الداخلي العائد لعدم انسجام الأوساط القبطية مع الهوية العربية التي اختارتها القيادة السياسية، بل في أكثر من موقع كان تخوين هذه الأوساط لتمنعها عن الاحتفال بهذا الخيار.

أما في لبنان، فإن الدمج القسري قد تحقق فعليا من خلال مقايضة فريدة، وإن كان لها ما يشبهها من حيث طابعها الوظيفي في دول أخرى عربية بصفتها الرسمية وغير ناطقة بالعربية بلسانها، أي الصومال وجيبوتي وجزر القمر. والمقايضة في كافة هذه الحالات قائمة على إشهار مقابل فوائد. فالتسوية التي تلت الحروب التي عاشها لبنان، والذي يشهد الحالة الوحيدة من التعبير السيادي المسيحي في المنطقة، قد ألزمت القيادات المسيحية بالإقرار العلني، دون اعتبار للقناعات الذاتية، بهوية عربية لجميع اللبنانيين كثمن لاحتفاظ المسيحيين منهم بامتيازات سياسية إزاء المسلمين ضمن نظام لا يعتمد التمثيل السياسي الصادق للمواطن كفرد ذي قرار، بل يفرض عليه الاندراج ضمن طائفة مولده.

وفي المنطقة المغاربية، جاء السعي إلى الدمج القسري ضمن الهوية العربية بناء على إعادة توظيف للغة الفصيحة والتي كانت أداة بالنسبة لكافة المغاربيين بمواجهة الفوقية الفرنسية، لتمسي بعد الاستقلال وسيلة استعلاء داخلية إزاء آخر مشتق من الذات.

ويترافق الدمج القسري مع عنصر أساسي في الطرح القومي وهو الإلزام التأحيدي. فالزعم هنا أن العروبة، أي الهوية العربية، هي واحدة ومعيارية على مدى الوطن العربي، وأي خروج عن الثابت العربي هو بالتالي عائد إلى نقص باللغة والهوية منسوب لعدم اكتمال اندماج الفئات المحلية الخارجة عن هذه المعيارية، وإن بقيت في العديد من أوجهها هلامية وغير قابلة للضبط والتحديد.

فالفرضية التأحيدية جعلت من التعبيرات المحلية، الاجتماعية والثقافية عامة واللغوية خاصة، آفة على العروبة واعتلالا فيها، بما يتوجب معالجتها دمجا واجتثاثا وإدانة. وفي أوج عهد السردية العربية، البعثية منها والناصرية وتلك التي أنتجتها "حركة القوميين العرب"، كان الدين جزءا من المعيارية، وإن بمقادير مختلفة، ولكن ليس من منطلق العقائد الإيمانية، إنما بناء على مقولة أن الإسلام هو نتاج عروبي، أي أن العرب المسلمين هم نوعا ما الأنقى في عروبتهم لعدم جنوحهم في بعدهم الديني إلى ما يبتعد بهم عنها. وعليه كان تقييم التراث الديني لغير المسلمين، فنالت الكنائس الشرقية التي اعتمدت ذاتيا اللغة العربية التنويه المتكرر، ولا سيما منها التي يعود اعتمادها للعربية إلى قرون سابقة، فيما بقيت تلك التي احتفظت بلغاتها التراثية خارج دائرة الاعتزاز.

والطرح القومي يترافق كذلك بقطع بتري عند حدود الوطن المقرر. وبالنسبة للقومية العربية يأتي القطع على قدر متبدل من العدائية إزاء الإيراني (الفارسي) والتركي (العثماني)، وعلى عدائية حازمة إزاء الغربي (المستعمر)، فيما الموقف من الإسرائيلي (الصهيوني)، والذي أقام مشروعه القومي ليس خارج الحدود بل داخلها، يبلغ مستوى العداء الوجودي.

وما تبين على مدى نصف قرن ونيف، هو أن الطرح القومي العربي عاجز عن الانتقال من الوعد إلى الإنجاز. وكانت الهيمنة القومية العربية على الدولة والثقافة قد توطدت واستمرت في المحيط العربي، وصولا إلى حرب حزيران/يونيو 1967. ومع هذه "النكسة" تراجعت القومية العربية كسردية كبرى أمام الأممية الثورية ثم الجهادية الإسلامية، غير أن الإطار القومي بقي سائدا على مستوى الدولة وإن على تقهقر، قبل أن يتهاوى مع الاجتياح العراقي للكويت، ثم سقوط النظام العراقي وصولا إلى "الربيع العربي".

وإذا كانت الانتفاضات المتتالية التي شهدتها المجتمعات العربية عند ربيعها، قد أكدت الخصوصية الذاتية لكل منها في طبيعة المطالب كما في مجريات الحوادث، فإنها قد كشفت كذلك عن ترابط ثقافي، مختلف عميق الاختلاف عن الطرح القومي العربي. ويبقى هذا الترابط دون تأطير سياسي، بل هو مهمل ومرفوض في أوساط عدة لاتهامه بأنه استعادة، وإن أولية، للقومية العربية بسماتها الصارمة.

الدمج القسري قد يكون عند أقصاه بما شهده العراق في ظل البعث، ولكنه سائد على مدى تواجد الطرح القومي

أما الواقع فهو أن القومية العربية القائمة على الدمج القسري، والإلزام التأحيدي، والمعيارية الثابتة، والقطع العدائي، وعلى الوطن الكبير المفترض والذي يتجاوز حدود الدولة الوطنية، قد ولت بذاتها، ولكنها باقية بغيرها. أي أن المعادلة التي طورتها هذه القومية، بناء على تجارب قومية سابقة بطبيعة الحال، إذ هي منتج من القرن العشرين، يعاد إحياؤها واعتمادها اليوم على مدى المنطقة إنما بصيغ جديدة. فبدلا من الوطن العربي الكبير من المحيط إلى الخليج، يجاهر الطرح القومي الكردي بكردستان الكبرى من خليج البصرة إلى خليج اسكندرونة، وترفع خارطة هذا الوطن الكبير في المدارس الكردية في العراق وسورية كما كانت ترفع خارطة سابقه العربي في مدارس العهد القومي العربي. ويطمح الطرح القومي الأمازيغي إلى "تمازغا" التي تبتدئ في واحة سيوة المصرية وتنتهي عند الجزر الخالدات في المحيط الأطلسي.

اقرأ للكاتب أيضا: حول 'محاكم التفتيش الأزهرية' ومسألة المرجعية

وكما كان الطرح القومي العربي المتنكر لأولوية الخصوصيات المحلية وللتعددية اللغوية في نطاقه، فإن كل من القوميتين الكردية والأمازيغية تفترض، بل تفرض، إما تأحيدا لغويا نظريا غير متحقق أو تأحيدات لغوية على سبيل جمعها لاحقا، وكل منها كما سابقتها العربية، ترى إلزام هويتها القومية على جمهور دون اعتبار لقناعاته. فالمغاربيون، بالنسبة للطرح القومي الأمازيغي، بمعظمهم أمازيغ وإن جهلوا أصلهم أو تجاهلوه، أو تلونوا بألوان الطارئ العربي عليهم. وكذلك حال الظاظا والشبك والفيليين واليزيديين وأهل الحق بل والعلويين البكتاشيين في تركيا، فهم أكراد، كما كان الأقباط عرب.

أما القطع العدائي لدى القومية الأمازيغية خاصة، وكذلك الكردية وربما القومية المسيحية المشرقية المترددة في تشكلها، فهو تحديدا إزاء "العرب"، مع اتفاق في التسمية واختلاف في المسمى.

من حق الداعين إلى القوميات الصاعدة الصارمة بالطبع اختبار جدوى دعوتهم في مجتمعاتهم، غير أنه في المقابل من الواجب على الثقافة العربية، بعد إفلاس السرديات الكبرى المتوالية على مدى قرن كامل، الشروع بمقاربات جديدة تسائل مقومات الطرح الصارم، علها تتمكن من الإقدام على المصالحات العديدة التي يقتضيها واقع الانحلال، مع ذاتها وأطياف مجتمعاتها وجوارها وعالمها، وإن كان عليها انتظار الرؤى الهادئة للتلاقي معها، سواء من داخل مجتمعاتها التي أثخنت تأحيدا وفوقية، أو من خارجها والذي استتبت فيه أصناف العداء.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG