Accessibility links

عملية خطيرة اسمها التحديث (2 من2)


منظر عام للعاصمة اليابانية طوكيو

بقلم: جمال أبو الحسن

من أعجب عمليات التحديث وأغربها قاطبة ما جرى في اليابان في عهد الميجي (1868-1912). مرد الغرابة هو السرعة الرهيبة التي جرت بها تلك النهضة الشاملة، والتغيير العميق والهائل الذي لحق بالمجتمع خلال تلك الفترة القصيرة من الزمن. طالما كان الميجي هو المشروع/ الحلم الذي تتطلع إليه عدد من الدول النامية. بل إن صيت هذا المشروع بلغ الدول العربية وشغل مفكريها وسياسييها منذ وقت مبكر، خاصة بعد انتصار اليابان على روسيا في 1904 -1905، الذي اشتهر كونه أول انتصار لقوة عسكرية من الشرق على قوة تنتمي إلى الغرب وأوروبا. ومن المعروف أن الزعيم الوطني المصري مصطفى كامل (1874-1908) قد ألف كتاباً تحت عنوان "بلاد الشمس المشرقة" صدر في عام 1904، يوجه فيه الأنظار إلى هذه النهضة الآتية من الشرق، ويلفت الانتباه إلى أن التقدم والحداثة ليسا وقفاً على أمم الغرب دون غيرها.

ارتبطت تجربة الميجي في الذهنية العربية بجُملةٍ من "الكليشيهات"، أو الانطباعات النمطية، ربما كان أشهرها أنها تجربة تعكس الامتزاج بين "الأصالة والمعاصرة". بين التراث التقليدي للحضارة اليابانية، والأخذ بأسباب الحداثة الغربية. وبهذا المعنى صارت تجربة الميجي هي "التحديث النموذجي" في أذهان الكثير من المثقفين وأصحاب الرأي العرب.

والحال أن التزاوج بين التقليد والتحديث يمثل – بالفعل- جانباً مهماً من التجربة اليابانية. ويكفي أن هذا التحديث لم يقض على اللغة اليابانية، كما حدث في الهند مثلاً التي يعتبر مئات الملايين فيها اليوم الإنجليزية لغتهم الأولى، بل احتفى بها وطورها. غير أن جوانب هذه التجربة والظروف التي توفرت لها، والطريقة التي جرت بها، تنطوي على ما هو أبعد من ذلك وأعمق.

أول ما يلفت النظر في تجربة "الميجي" هو أنها جاءت بناء على قراءة صحيحة لتحدٍ خطير قادم من الخارج. إنها السفن الأمريكية الأربعة التي رست في 1853، بمدافعها، أمام مدينة "إيدو" اليابانية في رسالة ترهيب وتخويف فهمها اليابانيون. المطلب الأمريكي، الذي رفعه القائد البحري "ماثيو بيري"، كان فتح البلاد أمام التجارة الأمريكية. عند هذا التاريخ لم يكن معظم اليابانيين قد شاهدوا إنساناً أجنبياً. لقد عاشت اليابان فترة انغلاق دامت ما يقرب من القرنين ونصف تحت أسرة "توكاجاوا" (من 1615 وحتى 1853).

عبر التاريخ وباختلاف البلدان والحقب الزمنية، دائماً ما ارتبط التكلس والجمود بحالات الانغلاق والعزلة عن العالم. على أن العُزلة بإمكانها –أحياناً- أن توفر حالة من "النأي بالنفس" عن المشكلات والمغامرات، وبما يسمح بالنمو الهادئ البطيء للمجتمعات، بعيداً عن الصراع والتنافس الذي ينشأ غالباً من العلاقات بين الدول. وقد حدث شيء من هذا في عصر "التوكاجاوا".

لقد أسست هذه الأسرة لنظامٍ إقطاعي تحت سلطان "الشوجان"؛ أي حاكم اليابان كلها. أنهى ذلك الصراعات بين المناطق والإقطاعيات. لقرنين عاشت اليابان حالة من السلام الداخلي. الجماعة الحاكمة كانت طبقة من المحاربين تُدعى بالساموراي. احتل هؤلاء قمة النظام الاجتماعي في اليابان. من بعدهم المزارعون، فالصنّاع، فالتجار في القاع. ولأنه لم يكن لدى الساموراي شيئاً يفعلونه في زمن السلم، فقد تحولوا إلى طبقة بيروقراطية. في وسطِ هذه الطبقة ذاتها، بل في درجاتها الدنيا، وِلدت النزعة للإصلاح.

لا نهضة تأتي كحدث استثنائي، مقطوع الصلة بما قبله. النهضة –في واقع الأمر- ليست حدثاً، بل عملية ممتدة. في زمن "توكاجاوا" الطويل اعتملت بذور النهضة اليابانية. يشير البعض إلى أن اليابان شهدت في منتصف القرن الثامن عشر ما يشبه "الرينيسانس" التي شملت نهضة شاملة في اللغة والآداب. النهضة التعليمية في زمن الميجي ارتكزت على منظومة من المدارس الملحقة بالمعابد البوذية، والتي كانت قائمة بالفعل في زمن التوكاجاوا. كانت هذه المنظومة التقليدية (التي يمكن أن تشبيهها بنظام الكتاتيب القائم في مصر)، تدرس أيضاً بعض العلوم الحديثة.

المؤسسات اليابانية المستقرة جعلت الانتقال إلى التحديث ممكناً. أهم المؤسسات التي ساعدت على تسريع التحديث كانت أقدم المؤسسات جميعاً: الامبراطور!

تاريخ الامبراطور يعود إلى 2600 عاماً. الكثير من اليابانيين كانوا يعتبرونه مقدساً. على أن سلطة الامبراطور الحقيقية تآكلت في زمن التوكاجاوا لصالح "الشوجان" وطبقة الساموراي. استعادة سلطة الامبراطور "الشكلية" –والاختباء خلفها!- مثلّ جوهر الخطة التي تبناها مجموعة من الساموراي الشباب الذين تبنوا طريق التحديث والتغريب كرد فعل على التهديد الغربي لبلادهم. طوال عهد الميجي، تجسدت الحكومة الحقيقية في جماعة صغيرة من "الساموراي" الطموحين، الذين كانوا في أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات من عمرهم. هؤلاء كانوا يسيطرون على قرار الإمبراطور –وأختامه!- بعد أن نجحوا في تنصيبه في 1868. بعدها شرعت هذه الجماعة في الاستحواذ على السلطة فعلياً، وتوجيهها بالكامل لصالح عملية التحديث الشامل في المجتمع.

الباعث وراء "تحديث الميجي" كان الاستجابة إلى التحدي الخارجي الخطير من جانب الغرب. الاستجابة جاءت – وبما لا يختلف عن الحال في مجتمعات أخرى- في صور متناقضة. كان هناك الموقف الرافض كلياً للتغريب. إن أول شيء كان على جماعة الساموراي الإصلاحية فعله هو تدمير الطبقة التي ينتمون إليها. لم يكن ثمة بد من تأسيس نظام بيروقراطي جديد يقوم على الجدارة، لا العائلة أو الانتماء لطبقة بعينها. إلغاء امتيازات الساموراي مثل المعركة الأهم على طريق التحديث. لا يختلف الأمر كثيراً في تجارب التحديث المختلفة التي تبدأ بعملية تدمير منظم للطبقات والامتيازات والتراتبية التقليدية في المجتمع.

بعد تكسير الساموراي، ساد شعور لدى الناس بالمساواة والتكافؤ في الفرص. من عجبٍ أن ما عزز تلك النزعة كان الخضوع للسلطة الإمبراطورية المطلقة. تحت هذه السلطة، وفي ظلها، شعر اليابانيون بقدر أكبر من المساواة عما كان عليه الحال في المجتمع التراتبي الإقطاعي.

إصلاحات الميجي غيرت المجتمع. بشر بالتغيير رجال، مثل "فوكوزاوا" الذي صار نبي العصر الجديد، نادوا بأن التفوق على الغرب يمر عبر السير في ذات الطريق الذي سار فيه. التعليم كان حجر الزاوية في عملية شاملة لبناء إنسان جديد. في أربعة عقود فقط تغير وجه اليابان.

ما يميز تجربة التحديث اليابانية هو بزوغ التحديث من رحم المؤسسات التقليدية ذاتها. جرى ذلك بقيادة نخبة متنورة استطاعت أن تفرضه على المجتمع من أعلى، وأن تسخر في سبيل ذلك "الهالة السلطوية المقدسة" لأهم مؤسسة في اليابان: الامبراطور. بهذا استطاع المجتمع الياباني أن يتجنب الهزات العنيفة التي عادة ما تصاحب هذا التغيير السريع الجذري.

ـــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG