Accessibility links

تأملات وأمنيات زائر متحف تاريخ الأفارقة الأميركيين


زاوية داخل المتحف الوطني لتاريخ وثقافة الأميركيين الأفارقة في واشنطن

بقلم منصور الحاج

هناك مثل متداول في الثقافة التشادية فحواه "من أدرك أباه تعلم لغة أجداده"، ومعناه أن معرفة ما جرى في الماضي لا يتطلب العودة بالزمان إلى الوراء وأن بالإمكان دراسة أحداث التاريخ وتعلم اللغات والإلمام بالثقافات من خلال الاحتكاك بمن كانوا أقرب إلى الماضي وأعرف بأحداثه وأكثر اهتماما به. وإن كانت قراءة التاريخ وتحليل أحداثه واستلهام العبر منه أمر مهم فهي أكثر أهمية لدعاة التغيير ونشطاء حقوق الإنسان وكل من يهتمون بالمساواة والعدالة الإجتماعية الذين يحلمون بتغيير واقع مجتمعاتهم وضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

وقد قادني اهتمامي بثقافات الشعوب وتاريخ الجماعات التي استطاعت انتزاع حقوقها وتغيير واقعها، إلى زيارة المتحف الوطني لتاريخ وثقافة الأميركيين من أصول أفريقية، والذي افتتحه الرئيس السابق باراك أوباما العام الماضي في العاصمة الأميركية واشنطن. وكم أدهشني الكم الهائل من الوثائق والمستندات والصور والمقتنيات التي رأيتها طوال فترة تجولي في أقسام المتحف المختلفة، والتي استمرت خمس ساعات كاملة.

لقد نجح القائمون على المتحف في تقديم تاريخ الأفارقة الأميركيين بصورة فنية مدهشة تبدأ بمقارنة متوازية على جانبي الطابق السفلي للمتحف، بين ما كان عليه الحال في كل من إفريقيا من جهة وأوروبا من جهة أخرى، في القرن الخامس عشر قبل بداية تجارة الرقيق، أو بعبارة أدق قبل أن يصبح الرجل الأسود بضاعة تتسابق عليها الدول والشركات العابرة للقارات. في تلك الفترة، لم يكن لعامل العرق أي اعتبار في التعامل بين الشعوب والمجتمعات، فقد كان هناك تبادل تجاري بين الأفارقة والأوروبيين وتواصل إنساني وروابط وعلاقات بين سكان القارتين.

كما جسد المتحف بإبداع هائل مسيرة الأفارقة الأميركيين نحو التحرر، والصور والأنماط والوسائل المختلفة التي سلكوها في سبيل ذلك وما تخلل نضالهم من مصاعب وعقبات وتحديات وكيف قاوموها وتغلبوا عليها وانتصروا في نهاية المطاف وأصبحوا مواطنين يتساوون مع غيرهم في الحقوق والواجبات. وقد اعترفت السلطات في الولايات المتحدة بالظلم الممنهج الذي تعرض له الأفارقة الأميركيين، فأصبح شهر فبراير من كل عام شهرا يُحتفل فيه بالمنجزات التي حققوها في مختلف المجالات، كما بات تاريخ مولد القس مارتن لوثر كنج جونيور القيادي الشهير في حركة الحقوق المدنية، في الثاني من شهر يناير عيدا رسميا في الولايات المتحدة.

أثناء تجولي في أقسام المتحف المختلفة، كنت استحضر معاناة الشعوب والأقليات الدينية والعرقية والتمييز الذي تتعرض له النساء ويواجهه المهاجرون والعمال الأجانب يوميا في الكثير من دول العالم، وأقارن بين ما أراه أمامي وبين مسيرة النضال المتعثرة ومحاولات قادة الإصلاح والتغيير المتكررة من أجل التخلص من الأنظمة الدكتاتورية واستبدال القوانين الظالمة بأخرى إنسانية تضمن المساواة وتحقق العدالة الإجتماعية. كما ذكرتني صور المناضلين والمناضلات الأفارقة الأميركيين في المتحف بمواقف الكثير من الشجعان العرب والمسلمين الذين ثاروا ضد الظلم والطغيان والفساد ودفعوا ثمن ذلك سجنا وضربا وتعذيبا وتشريدا وموتا.

لكن السؤال الذي ظل يلح في طرح نفسه أثناء تجوالي في المتحف هو: كيف نستطيع الاستفادة من هذه التجربة المتميزة لدفع مسيرة الديمقراطية وحقوق الإنسان في الدول العربية والإسلامية وغيرها من دول العالم؟ وقبل أن أقدم رؤيتي لكيفية الإستفادة من تجربة الأفارقة الأميركيين أود أن أوجه دعوة إلى جميع المهتمين بالحقوق والحريات وداعمي مسيرة الإصلاح في العالم العربي والإسلامي وخاصة قادة منظمات المجتمع المدني والنشطاء السياسيين وزعماء الطوائف الدينية والجماعات المضطهدة الذين يعشيون في الولايات المتحدة أو يعتزمون زيارتها في المستقبل، إلى زيارة هذا المتحف فإن فيه من العبر والإلهام ما يعجز قلمي عن تصويره.

XS
SM
MD
LG