Accessibility links

ما بين جنيف وأستانا


جانب من مفاوضات جنيف

بقلم عبد الحفيظ شرف/

خطوة جديدة لتحريك الحل السياسي بعد أن تغيرت خريطة السيطرة على الأرض وبات النظام السوري الذي حول سورية إلى بركة من الدمار مسيطرا على ما يزيد عن 70 في المئة من البلاد. و هذه الخريطة مختلفة تماما عن تلك التي سبقت محادثات جنيف (1) والتي كان النظام يسيطر فيها على أقل من 40 في المئة من الأرض. إلاّ أن التحرك العسكري وجرائم الكيماوي ضد الإنسانية وتحالف هذا النظام مع قوى الشر كإيران وحزب الله الإرهابي والتدخل العسكري الروسي قلب الموازين بشكل واضح لصالح النظام السوري عسكريا.

لم يتوقع النظام السوري اتفاق المعارضة في مؤتمر الرياض (2) وكان يراهن على استمرار الخلافات الداخلية وفقدان البوصلة السياسية بين منصات المعارضة المختلفة. لا شك أن هذا التوافق غير المتوقع والبيان الختامي قد أربك حسابات النظام وداعميه لأن المعارضة تعاملت بطريقة ذكية مع الأعذار والحيل التي كان يخطط النظام لإثارتها .

انعقدت هذه المحادثات في ظل المستجدات الدولية الكبرى التي سبقتها. فمشروع إنهاء داعش وهزيمته الكبرى بين العراق والشام بات قاب قوسين أو أدنى من التحقيق وتغير المزاج الدولي للاعبين الرئيسيين في سورية ما بين الولايات المتحدة وروسيا وتركيا وحتى إيران توصلت إلى تفاهمات متقدمة حول إطار عريض يمكن التفاوض حوله ويمكن تطبيق عناصره في المستقبل القريب ولو بشكل تدريجي. كل ما ذكرته أعلاه لا يعجب النظام السوري الذي يحاول أن يلعب على التغيرات والاختلافات الدولية ليناور سياسيا وعسكريا. فهو يريد كسب لعبة الوقت لصالحه ليعيد السيطرة العسكرية على أجزاء أوسع من مناطق الموارد النفطية والزراعية. لكن بشار الأسد يعلم أن التحركات السياسية الكبرى قد تقلب الموازنة العسكرية في أيام قليلة.

تأخر وفد النظام السوري في الحضور، وهي خطوة لا شك ذكية حاول من خلالها أن يصبح مجرد حضوره مطلبا بل و مكسبا كبيرا للسيد دي ميستورا. ثم بعد وصوله بدأ النظام السوري من خلال بشار الجعفري مبعوثه إلى جنيف تعطيل المحادثات وتفريغها من مضمونها التفاوضي وصناعة فقاعات إعلامية هنا وهناك و"زعبرات" استعراضية هدفها الواضح والصريح هو عدم إنجاح جولة التفاوض، محاولا بذلك اللعب على وتر أستانا بدلا من جنيف ومؤتمر سوتشي القادم كحل ممكن أو قابل للتطبيق.

قام بشار الجعفري ووفد النظام بالرد على الورقة الأولية المتبادلة بين الطرفين في المحادثات فكانت ردوده شكلية وبعيدة جدا عن جوهر المحادثات التي تمحورت بشكل أساسي حول الانتخابات والمبادئ الدستورية التي يجب أن يبنى عليها الدستور القادم، فكان رده على الوثيقة الأولى بتعديل اسم الجمهورية من الجمهورية السورية إلى الجمهورية العربية السورية محاولا ترسيخ النظام القومي العربي الذي صنعه في بلد متعدد الأعراق واللغات والإثنيات والمذاهب وكأنه بهذا يحاول إعادة المحادثات إلى المربع صفر من جديد. لا شك أن على المعارضة استغلال هذا الموقف لكسب ثقة الأكراد في سورية وطرح وثيقة تحالف مع الأكراد يتم فيها الاتفاق على شكل سورية الغد بعد أن أثبت النظام من جديد أنه لن يحقق للأكراد أية رغبات وأنه لا يقبل إلا بسورية قومية عربية يكون فيها الأكراد كما كانوا سابقا مجرد رقم وأقلية يتم استغلالها وتركيعها كمواطنين من الدرجة الثانية ليس أكثر.

وبعد كل هذه الشكليات قام بالفعل وفد النظام بمغادرة جنيف إلى دمشق، وقال إن دمشق هي من ستقرر عودته من عدمها و بدأ بوضع شروط مسبقة وهو ذاته من كان يطالب المعارضة بنسخ كل الشروط المسبقة والحضور إلى المفاوضات بدون أي شروط وهذا دليل آخر على نوايا النظام السوري .

وبالرغم من كل هذا، أعتقد أنه يجب على وفد المعارضة التركيز على قضايا الخلاف الرئيسية وتجهيز أوراق عمل كافية ووافية لرؤية الحل الشامل في سورية من خلال المسارات الأربعة وهي الدستور والانتخابات والحكم والحرب على الإرهاب ثم تأجيل نقاش مصير رأس النظام ودوره في المرحلة الانتقالية وصلاحياته إلى وقت لاحق بشكل يتوافق مع تطلعات الشعب السوري كما مصالح الدول العظمى بحيث يتم التعامل مع كل حيل النظام السوري.

كما يجب على المعارضة التركيز على قضية الأقليات وحمايتهم وتوفير الحرية للجميع. وإذا ما قام وفد المعارضة بإيجاد نقاط تقاطع مع أكراد سورية الذين يسيطرون اليوم على ما يقارب من 25 في المئة من الأرض السورية وهم شركاء موثوق بهم من قبل المجتمع الدولي سواء في محاربة الإرهاب أو في الرؤية المستقبلية لسورية فإن هذا الوفد سيحقق اختراقا سياسيا كبيرا. ولا ننسى أن الأكراد يسيطرون حاليا كذلك على أهم الموارد النفطية والزراعية في سورية. على المعارضة أن تستخدم فن التنازل والذي أعتبره أحد عناصر القوة وليس الضعف لتحقيق التوافق بينهم وبين الأكراد واستيعابهم وترشيد مطالبهم من خلال شكل حكم يتم التوافق عليه يحفظ من خلاله حقوق الجميع ولو حصل هذا أعتقد جازما أنه سيقلب الموازين سياسيا وعسكريا ضد النظام السوري وستصبح المعارضة السورية مصدر ثقة سواء للداخل السوري وكذلك للمجتمع الدولي. وبهذا ستخطو المعارضة خطوات كثيرة إلى الأمام مما سيضع النظام السوري في موقف ضعف وحرج كبير أمام داعميه قبل خصومه.

هذه المحادثات ولا شك أنها كانت مختلفة في الشكل والمضمون، فالولايات المتحدة أرسلت نائب وزير خارجيتها للمشاركة في تقريب وجهات النظر كما شارك ممثل الرئيس الروسي مما يدل على اهتمام متبادل لإنجاح هذه المفاوضات. هذه الجدية الدولية والتحركات التي سبقت جنيف من استدعاء بشار الأسد إلى سوتشي ومكالمة الرئيس ترامب مع أردوغان واجتماع الرئيس ترامب وبوتن ثم اتصال كل منهما مع الملك سلمان ومكالمة أخرى بين أردوغان والملك السعودي كذلك للتحضير لهذه الجولة، كل هذه التحركات هي برأيي السبب الرئيسي خلف تصرفات وفد النظام السوري لكسب الوقت وتقويض هذه التحركات الدولية لخلط الأوراق من جديد لأنه شعر بالجدية الدولية هذه المرة.

أعتقد أن النظام السوري سيحاول تقويض محادثات جنيف (8) بذات الطريقة إن عاد إلى جنيف في الأسبوع الثاني من المحادثات ثم سيشارك بجدية أكبر في مؤتمر أستانا (8) القادم في الـ20 و الـ21 من هذا الشهر وسيسعى للوصول إلى تفاهمات معينة في مناطق محدودة ليرسل رسالة إلى روسيا أن أستانا هي الخيار الأفضل بدلا من جنيف ليلعب على وتر تناقضات الدول العظمى من جديد ويكسب لعبة الوقت لصالحه.

-------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG