Accessibility links

هل يمكن الاستفادة من تجربة القمم الأوروبية؟


سلفي على هامش القمة العربية

بقلم داود كتّاب/

ضمن السياسات والأفكار المتعلقة بحل المشاكل يبرز ما يسمى التناغم بين المضمون والأسلوب. حيث يتطلب توازنا بين الأسلوب السليم للوصول إلى حل ما على أن يكون هناك اهتمام بنوع المضمون الذي يتم العمل عليه.

وفي الكثير من الأحيان يتم التركيز على إحدى الفكرتين في حال تعثر الأخرى. فمثلا لو كان هناك مشكلة في التوصل إلى حل مبني على مضمون ما، فإن التركيز يجب أن يكون على الأسلوب، حيث يأمل المتابعون للأسلوب السليم أن ينتج عن ذلك مضمونا جيدا في نهاية المطاف.

هذه المعادلة قد تكون ما توصل إليه العرب في السنوات الماضية فيما يتعلق بمؤسسة القمة العربية.

كشف الربيع العربي، وما جاء بعده، أزمات عميقة تنحر عالمنا العربي طالما كنا نرفض مواجهتها

ففي الماضي، عندما كان هناك خلاف كبير على مضمون أو نتائج القمم كان يتم اللجوء إلى التأجيل. ولكن في السنوات الأخيرة أقر العرب من خلال الجامعة العربية بضرورة عقد القمة العربية سنويا بغض النظر إن كان هناك توافق واتفاق مسبق على النتائج أم لا. فقد توصل المؤيدون لتلك الفكرة إلى نتيجة أن الالتزام بمبدأ اللقاء بغض النظر عن مخرجاته أفضل من عدم اللقاء.

اقرأ للكاتب أيضا: هل هناك محاولة للمساس بالأعياد بسبب تقلص عدد المسيحيين العرب

اعتذر العراق، والذي كان دوره بعد الأردن من استضافة مؤتمر القمة العربية، فتقرر أن يتم نقلها إلى العاصمة السعودية. وفي قرار متأخر له علاقة بالوضع الأمني تم نقل القمة العربية الـ 29 من الرياض المعرضة لصواريخ الحوثيين في اليمن إلى الظهران في شرق السعودية.

ورغم الاختلاف الكبير بين الجامعة العربية والاتحاد الأوروبي إلا أنه من الممكن أن نستفيد من تجارب الأوروبيين خاصة فيما يتعلق بكيفية إدارة موضوع القمم.

فالقمم العربية، غالبا، ما تحمل الكثير من المظاهر والشكليات، وقليل من القرارات والمفاوضات الحقيقية، بينما نظيراتها الأوروبية تعقد من أجل حل الخلافات لا التهرب منه.

بحث سريع عن القمم الأوروبية يظهر أنه منذ عام 1975 كانت تعقد ثلاث مرات سنويا، وما بين 1996 ـ 2007 أصبحت تعقد على الأقل أربع مرات، أما بين 2008 و2016 ارتفع معدل اللقاءات الأوروبية على مستوى القمة إلى سبع مرات سنويا، وفي عام 2017 انعقدت القمة الأوروبية تسع مرات، أما في 2018 ولغاية الآن فقد انعقدت خمس مرات.

طبعا قد يقول قائل إن الاضطرابات في العالم العربي ليست مثل أوضاع أوروبا، وإن هناك حروبا وصراعات أهلية في العديد من بلدانه، وإن بعض الأنظمة العربية متحالفة مع أحد أطراف النزاع في الدول التي تشهد اقتتالا داخليا.

يشكل العالم العربي تكتلا من المفترض أن يكون أكثر تجانسا من حيث اللغة والثقافة والقيم مقارنة بالمجتمعات الأوروبية التي تتعدد فيها اللغات والإثنيات والثقافات.

كلنا نعرف أن الخلافات الأوروبية الداخلية أدت إلى حربين عالميتين، وأن الأجواء الحالية قد تكون نتيجة قناعة الأوروبيين بعدم جدوى الحروب وضرورة التفاهم والالتقاء للحوار، ولو أدى ذلك إلى السهر ليال طويلة للخروج بتفاهمات متفق عليها.

يشكل العالم العربي تكتلا من المفترض أن يكون أكثر تجانسا من حيث اللغة والثقافة والقيم مقارنة بالمجتمعات الأوروبية

لقد كان عقد القمة العربية موضوعا خلافيا إلى أن تم إدخال مبدأ الاجتماع السنوي العادي من دون تأجيل للخروج من مأزق التهرب من المواجهات حيث يعكس أسلوب تعاملنا مع المشاكل جزء كبيرا من مشكلتنا الحالية التي يعلو فيها صوت المدفع والرشاش على صوت الحوار واللقاء والتفاهم.

لقد كشف الربيع العربي، وما جاء بعده، أزمات عميقة تنحر عالمنا العربي طالما كنا نرفض مواجهتها، والتعامل معها للخروج بحلول منطقية مدنية تجنبنا الخلاف والقتال.

اقرأ للكاتب أيضا: ما هي مسؤوليات مستشار الأمن القومي وهل ينفع بولتون لهذا المنصب

من أهم مبادئ الحوار والتفاهم واللقاء هو احترام الآخر، وتقبل وجود أكثر من رأي حول مشكلة ما، والابتعاد عن فكرة احتكار طرف معين للحقيقة وللرأي من دون الاستعداد للاستماع للآخر والبحث عن حلول مشتركة.

لقد نما الاتحاد الأوروبي من سوق مشترك إلى نظام سياسي ومالي يضاهي التكتلات العالمية كافة. ويشكل مبدأ الحوار والتفاهم وتقبل الآخر قاعدة أساسية سمحت لهذا التطور المذهل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في منتصف القرن الماضي.

نحن في العالم العربي، وفي مؤسسة الجامعة العربية، بأمس الحاجة إلى استنساخ هذا الأسلوب الناجع والمبني على مبدأ في غاية البساطة، وهو احترام الآخر والبحث عن القواسم المشتركة بدل الانقسامات التي تفرقنا.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG