Accessibility links

الرأسمالية.. الاقتصاد أم السياسة؟ (9)


تولد المؤسسات الاقتصادية النمو والثروة لأنها تشجع الابتكار وتكافؤه وتحفز عليه

بقلم جمال أبو الحسن/

للوهلة الأولى يبدو تحقيق النمو والازدهار معضلة اقتصادية. الاقتصاد علم وله قواعد. هو ينصب على دراسة السلوك الإنساني في مسعاه للتوفيق بين الغايات والموارد المحدودة التي يمكن استغلالها بأكثر من طريقة. بهذا المعنى، فإن المعرفة بقواعد الاقتصاد السليم تكفي أي دولة لمراكمة الثروة وتحقيق النمو المنشود. ولكننا نعرف جيدا أن هذا لا يحدث في العالم الحقيقي.

لو كان هذا صحيحا لكفى كل دولة أن تستعين بأذكى الاقتصاديين وأكثرهم حصافة ودربة لكي يرشدوها إلى ما يتعين عليها اتباعه من سياسات اقتصادية تفضي إلى الازدهار. لو أن الأمر كذلك لكان القضاء على الفقر شأنا هينا لا يستلزم سوى اتباع "الروشتة" الحكيمة للاقتصاديين الأذكياء.

واقع الحال أن عالمنا ينطوي على تفاوتات هائلة بين الدول من حيث الفقر والغنى. هذه التفاوتات وليدة شيء أعمق كثيرا من مجرد المعرفة بقواعد الاقتصاد. بل هي محصلة لما يتجاوز الاقتصاد ذاته.

المشكلة الرئيسية في المؤسسات المنغلقة أنها تقاوم الابتكار

اجتهادات كثيرة حاولت تفسير الفجوة الهائلة في الثروة والتقدم الاقتصادي بين دول العالم. ربما أقدم الاجتهادات ما قدمه المفكر الفرنسي "مونتسكيو". هو جادل بأن المناخ هو المسؤول عن هذه الفجوة. الطقس الاستوائي ـ كما في حالة الشعوب الشرقية ـ يدفع الناس للكسل، بينما الطقس البارد يحفزهم للعمل كما في أوروبا. والحال أن تلك النظرية لا تفسر نهضة سنغافورة الحديثة مثلا ولا ماليزيا. بل إن توفر الموارد الطبيعية من عدمه ليس هو العامل الحاسم، وإلا كانت أميركا الجنوبية تفوقت على أمريكا الشمالية في مضمار النمو والتقدم.

اقرأ للكاتب أيضا: الرأسمالية: شبح ماركس! (8)

تفسير آخر قدمه عالم الاجتماعي الألماني "ماكس فيبر" جوهره أن السر في الثقافة، وبالتحديد في الثقافة البروتستانتية التي تنسجم مع قيم الرأسمالية (العمل والادخار والاستثمار والسعي للربح). على أن هذه الفكرة بدورها لا تقدم تبريرا كافيا لنمو كوريا الجنوبية مقارنة بأختها الشمالية، وكلتاهما تنتميان إلى ثقافة واحدة. هي لا تفسر كذلك نهضة اليابان والصين اللتين لا تنتميان للثقافة الغربية.

في كتابهما "لماذا تفشل الأمم؟" (?Why nations fail) حاول كل من James A.Robinson و Daron Acemoglu تقديم تفسير شامل. هو ليس جديدا تماما، بل ويبدو ـ للوهلة الأولى ـ تبسيطيا أكثر مما ينبغي. على أن الفكرة الجوهرية في الكتاب تساعدنا في تطوير فهمنا للرأسمالية بوصفها منظومة شاملة لا تعمل في فراغ، وليست مجرد نظام اقتصادي أو "روشتة" لمراكمة الثروة.

الفكرة ببساطة أن هناك مؤسسات اقتصادية منفتحة و"احتوائية"، وأخرى منغلقة وإقصائية واستغلالية. المؤسسات الاقتصادية المنفتحة وثيقة الصلة بالمؤسسات السياسية المنفتحة، والعكس بالعكس. تولد المؤسسات الاقتصادية النمو والثروة لأنها تشجع الابتكار وتكافئه وتحفز عليه. المؤسسات الاستغلالية ـ يسميها الكتاب "استخراجية" أي تقوم على استخراج الثروة من المجتمع أو الموارد الطبيعية وليس توليدها بالابتكار ـ لا تفيد سوى قلة قليلة.

الابتكار يغير المنظومة الاقتصادية بشكل جذري، يخلق رابحين جددا، ويخلف وراءه خاسرين

جوهر الفكرة هو أن ثمة ارتباطا وثيقا بين المؤسسات السياسية والاقتصادية؛ كيف؟

السياسة، في أبسط تعريفاتها، هي الطريقة التي ينظم بها المجتمع نفسه. العملية السياسية هي التي تحدد من يحوز السلطة، ومدى هذه السلطة. هي عملية توزيع "القوة" في المجتمع. في النظم المستبدة يكون توزيع السلطة محصورا في فئة قليلة، والقيود على ممارسة السلطة محدودة. هذا النوع من المؤسسات يصنع، بالضرورة، نظما اقتصادية "استخراجية" واستغلالية. ذلك أن من بيدهم السلطة السياسية يضعون "قواعد اللعبة" الاقتصادية. هم يصممون هذه القواعد بحيث لا يفيد منها سوى قلة قليلة من أهل الحكم والمرتبطين بهم. في هذه الحالة نصير أمام "دائرة جهنمية مغلقة" لأن المؤسسة السياسية المنغلقة تستطيع تعزيز قوتها باستمرار عبر وضع قواعد تضمن لها، ولفئة قليلة من المستفيدين، الحصول على النصيب الأكبر من الثروة ومن ثم تتولد لديها موارد أكثر لإحكام "إغلاق الدائرة الجهنمية".

اقرأ للكاتب أيضا: الرأسمالية: هل القضاء على اللامساوة هدف أخلاقي؟ (7)

المشكلة الرئيسية في هذه المؤسسات المنغلقة أنها تقاوم الابتكار الذي هو محرك المنظومة الرأسمالية. الابتكار يغير المنظومة الاقتصادية بشكل جذري. يخلق رابحين جددا، ويخلف وراءه خاسرين. لا يلبث ذلك أن ينعكس على توزيع السلطة السياسية في المجتمع. مثلا: دخول التصنيع في بريطانيا ضرب الأرستقراطية القديمة المرتبطة بالأرض في مقتل، وكذا أصحاب الحرف الذين اندفعوا لحرق منزل "جون كاي" مخترع "النول المُمَيكن" في 1753 (عرف بالمكوك الطائر).

المؤسسات المنغلقة سياسيا تقاوم التغيير الاقتصادي الذي تجلبه تكنولوجيا جديدة لأنها تفهم أنه قد يفضي إلى توزيع جديد للسلطة السياسية في المجتمع. هكذا نفهم ـ مثلا ـ تأخر روسيا في مجال التصنيع. في 1849 أصدر القيصر "نيكولاس الأول" قانونا يحظر مصانع الغزل والنسيج، إلا بإذن الحاكم العسكري، خوفا من تجمع العمال. لم يجر تطوير السكك الحديدية في روسيا إلا بعد حرب القرم (1853 ـ 1856)، وبعد أن ظهر أنها نقطة ضعف عسكري قاتلة. بالمثل، الإمبراطورية النمساوية المجرية ظلت تعمل بطاقة الخيول حتى ستينيات القرن التاسع عشر. جوهر الخوف من التصنيع كان سياسيا. مع الصناعة، ستجذب المدن أقنان الأرض فيهجروا الريف وينهار النظام الإقطاعي. المؤسسة المنغلقة تحصن نفسها بمقاومة التغيير التكنولوجي والاقتصادي. مثال ثالث من الدولة العثمانية التي حرمت الطباعة عام 1515، ولم تبحها سوى في العام 1727. كان من محصلة ذلك أن 2 إلى 3 في المئة فقط من سكان الدولة العثمانية كانوا يجيدون القراءة والكتابة في العام 1800، في مقابل 50 في المئة في بريطانيا!

النمو الاقتصادي، كما يقول لنا كتاب "لماذا تفشل الأمم؟" ليس متعلقا فقط بالتكنولوجيا، ولكن بنوعية المؤسسات السياسية التي تسمح بنظام اقتصادي مفتوح يكون من شأنه تفجير طاقة الابتكار الكامنة في المجتمعات.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG