Accessibility links

الرأسمالية: هل القضاء على اللامساوة هدف أخلاقي؟ (7)


بورصة نيويورك

بقلم جمال أبو الحسن/

إليك هذه القصة:

تخيل أن هناك مجموعة من عشرة أشخاص في مكان معزول. لكي يبقى الشخص على قيد الحياة يحتاج إلى خمس وحدات من شيء ما، وليكن حبة دواء. ما هو متوفر لدينا هو 40 حبة. ما الفعل الأخلاقي السليم في هذه الحالة؟

من الواضح تماما أن توزيع حبات الدواء بالتساوي سيكون من شأنه هلاك المجموعة عن بكرة أبيها. في هذا المثال يبدو واضحا أن توزيع الموارد بالتساوي يقود إلى كارثة محققة!

التصرف المنطقي هو توزيع الأربعين حبة على ثمانية أشخاص، وهو فعل ينطوي على ممارسة أقصى قدر من اللامساوة!

قد نعقد المثل قليلا. ماذا لو أن لدينا 41 حبة دواء. لمن نعطي القطعة الزائدة؟ من الواضح أن إعطاءها لشخص من الاثنين المحكوم عليهما بالموت (من ليس لديهم أي شيء على الإطلاق) لن يفيد كثيرا، لأنهما سيقضيان في كل الأحوال. سنعطيها لشخص من الأحياء إذا لنزيد من واقع اللامساوة!

صحيح أن التفاوت الطبقي اتسع، ولكن صحيح كذلك أن أناسا أكثر صاروا يعيشون حياة أفضل

المثال يعبر عن "تجربة ذهنية" بالطبع. الهدف منه ليس تحطيم فكرة الدعوة إلى المساواة، ولكن الإشارة إلى تعقيداتها الكثيرة. المساواة ـ كفكرة وفلسفة وسياسة ـ ليست دائما بالبساطة التي تبدو عليها. هي تطرح أسئلة فلسفية مثيرة للجدل والتأمل. المثل يقول لنا ما هو أكثر: التفكير في "النزعة المساواتية" بوصفها شيئا بديهيا وأخلاقيا يقود في بعض الحالات عند التطبيق إلى نقيض الغاية المقصودة، وهي رفاهية المجتمع.

اقرأ للكاتب أيضا: الرأسمالية.. هل اللامساواة حتمية؟ (6)

المثل ليس من عند كاتب السطور، وإنما أورده أستاذ الفلسفة الشهير هاري فرانكفورت (Harry Frankfurt) في كتابه "عن اللامساوة On Inequality" في الكتاب دحض منطقي لفكرة يراها الكثير منا مسلمة لا تقبل الجدل: اللامساواة شيء لا أخلاقي والقضاء عليها أو تخفيفها هو أمر جيد أخلاقيا ومطلوب لذاته.

الكتاب ـ في المقابل ـ يرى أن لا أساس أخلاقيا للدعوة إلى المساواة الاقتصادية بين الناس. هو يقول إنه من الناحية الأخلاقية البحتة لا يوجد ما يزعج في أن يحصل البعض على أكثر من الآخرين. لا يهم أن يحصل الجميع على نفس القدر من الأموال أو الإشباع. هذا ليس من الأخلاقية في شيء. ما يهم حقا هو أن يحصل كل شخص على ما يكفيه، وهذا مفهوم مختلف عن فكرة المساواة.

يلفت الكاتب نظرنا إلى حقيقة بسيطة: ما يزعجنا حقا من مظاهر انعدام المساواة ليس التفاوت بين الناس في مستوى الدخول، وإنما حقيقة أن هناك من يحصلون على القليل جدا. التفاوت في ذاته لا يمثل وخزا لضمائر البشر، إلا عندما يتعلق بفقر شديد. الدليل أننا لا نلاحظ التفاوت بين "المستورين" أو الميسورين من جانب وبين الأثرياء وفاحشي الثراء من جانب آخر. هذه التفاوتات لا تزعج ضمائرنا ولا تشعرنا بانعدام العدالة، رغم أنها قد تكون أوسع بكثير من التفاوت بين شخص فقير للغاية وشخص مستور. الفقر إذا هو المشكلة الأخلاقية وليس انعدام المساواة.

بمعنى آخر؛ ما ينبغي أن يكون هدفا للإصلاح ليس التفاوت الطبقي، وإنما مستوى حياة الأقل حظا ومن يعيشون ظروف الفقر المدقع. الكتاب يحاول أن يقول لنا إن هذين مفهومين مختلفان إلى حد بعيد. يضيف أن التعامل مع تحقيق المساواة باعتبارها شيئا أخلاقيا ضار، لأنه يحرف أنظارنا عن المشكلة الأساسية وهي الفقر. التركيز على اللامساوة تجعل الناس لا يفكرون في أوضاعهم وظروفهم، بقدر ما يفكرون في ظروف الآخرين وإجراء المقارنات.

خلاصة هذا الكتاب الجريء أن المهم حقا ليس مقارنة الناس حياتهم بحياة بالآخرين، ولكن أن يكون لدى الناس حياة جيدة... حياة جيدة بما يكفي، وبما يحقق الإشباع والرضا للشخص. هذا الإشباع قد يتحقق عند مستوى منخفض ومعقول من الدخل لسبب أو لآخر.

ليس كل البشر سواء في تطلعاتهم لتغيير حياتهم إلى الأفضل. قناعة الناس بحياتهم كما هي تحددها عوامل كثيرة تخضع لظروفهم وقدراتهم. أن يكيف الناس تطلعاتهم ورغباتهم تبعا لظروفهم وإمكاناتهم هو أمر لا يعيبهم في شيء. المهم أن يكون لدى الناس ما يكفي لحياة معقولة.

ما يهم حقا هو أن يحصل كل شخص على ما يكفيه، وهذا مفهوم مختلف عن فكرة المساواة

والحال أن هذا الكتاب يهز أفكارا راسخة في وعينا المعاصر جوهرها أن الثروة مرادف للنهب، وأن توزيع بعض أموال الأغنياء على الفقراء هو أمر جيد في ذاته. وقد أسهمت هذه الأفكار في تقويض "الشرعية الأخلاقية" للمنظومة الرأسمالية بصورة كبيرة في أعين أعداد هائلة من البشر. فمن الشائع والمتداول أن الرأسمالية تجعل الأغنياء أكثر غنى والفقراء أكثر فقرا، وأنها ـ وهذه نقطة جوهرية ـ تسهم في مفاقمة حدة التفاوت الطبقي.

والحقيقة أن الرأسمالية أسهمت بالفعل في زيادة الفارق بين الأغنياء ومن هم في الفئة الدنيا من المجتمعات، ذلك أن الرأسمالية تسمح للأغنياء ومن يرى المجتمع أنهم يقدمون سلعا نادرة (كالمغنين والممثلين ورجال الأعمال المغامرين) بتكوين ثروات كبيرة.

اقرأ للكاتب أيضا: الرأسمالية: لماذا تفشل في العالم النامي؟ (5)

إلا أن الجزء الآخر من الصورة يتعلق بأن المليارات من البشر تسلقوا السلم الطبقي مخلفين وراءهم ذل العوز والفاقة. صار لديهم "ما يكفي" بتعبير "هاري فرانكفورت". في أول القرن التاسع عشر كان 95 في المئة من سكان المعمورة فقراء. اليوم 10 إلى 20 في المئة فقط هم من يمكن أن نطلق عليهم فقراء بهذا المعيار.

صحيح أن التفاوت الطبقي اتسع، ولكن صحيح كذلك أن أناسا أكثر صاروا يعيشون حياة أفضل. وهنا على المرء أن يفكر مليا: هل ما يهم هو أن يكون الناس أقرب طبقيا لبعضهم البعض (القضاء على التفاوت)، أم الأهم هو أن تتمكن أعداد أكبر من أن يكون لديهم ما يكفي (القضاء على الفقر)؟

الثابت أن المساواة في ذاتها لا تقول لنا شيئا عن مدى رفاهية المجتمع ومستوى معيشته. قد تكون هناك مساواة في الفقر وليس في الرفاهية. الدليل أن أكثر بلدين في العالم اليوم من حيث المساواة بين أبناء المجتمع (وفقا لمعامل جيني الشهير) هما السويد، ومتوسط دخل الفرد فيها 54 ألف دولار سنويا.. وأفغانستان، ومتوسط الدخل فيها 600 دولار سنويا!

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG