Accessibility links

فصل من بشاعة الحرب


والدة وشقيقة بارين كوباني (أ ف ب)

بقلم كوليت بهنا/

ما تزال قضية المقاتلة الكردية "بارين كوباني" التي تم تسريب مقطع فيديو لها بعد أن جرى التمثيل بجثتها قبل أيام، تزداد تفاعلا وغضبا وتصب الزيت فوق النار بين العرب والأكراد والأتراك الذين اجتاحوا عفرين مطلع هذا الشهر يؤازرهم مسلحون سوريون يسمون مرة بـ"الجيش الحر" ومرة بـ"الجيش الوطني أو درع الفرات"، فيما الأغلبية تراهم مرتزقة لتركيا.

مقطع الفيديو كان بشعا وموجعا، إذ بدت المقاتلة جثة عارية ومشوهة ومقطعة الأثداء ويقوم أحد المسلحين بالدعس بحذائه فوق جثتها في امتهان صريح لكرامة جسد الإنسان. إلا أن الروايات حول هذا الحادث المشين سرعان ما تضاربت، فقد تم نفي تعريتها أو التمثيل بجثتها نفيا قاطعا، من دون نفي الدعس فوق الجسد وإدانته، وبأن التشويه الذي حدث لها بسبب تفجير نفسها بحزام ناسف، وبأن بيانا صدر عن أحد الأحزاب الكردية المقاتلة أكد رواية الحزام الناسف.لكن سرعان ما تم سحب البيان وإخفاؤه من أجل تأجيج الصراع وما يستجره من ثأر لاحق. وجرى تذكير الرأي العام بأن الميليشيات الكردية مارست سابقا تطهيرا عرقيا ضد القرى العربية التي استباحتها وأذلت أهلها وهجرتهم، كما قامت هذه الميليشيات بالتمثيل سابقا بجثث مقاتلي فصائل المعارضة وقام بعض عناصرها بالتقاط "سيلفي" هازئ مع هذه الجثث التي جابت شوارع عفرين فوق شاحنات.

إقرأ للكاتبة أيضا: راقصة في "سوتشي"

تضارب الروايات قد يخفي حقيقة ما حدث مؤقتا، إلى حين انجلائها بتحقيقات نزيهة قد تحدث أو تطوي الحادثة كما طويت حوادث كثيرة قبلها أكثر فظاعة. لكن ما لا يمكن إخفاؤه أو التستر عليه أو تبريره، هو ما وصلت إليه الحرب في سورية من مبلغ وحشي تكاد جميع الأطراف المشاركة والمتورطة فيها يتساوون في هولها. وما لم يتم احتواء العملية العسكرية التركية، التي ادعت تركيا أنها "خاطفة" ولا تبدو كذلك حتى اللحظة، فلن يكون مفاجئا أو مستغربا حدوث مجازر قادمة قوامها "عرقي" وسيل من عمليات الثأر لن يُخمد الزمن نيرانها إلى أجل غير مسمى.

لا يبدو أن محارب العصر يختلف في جينات وحشيته عن جده الأكبر محارب الأمس، أو يأبه لمعاهدات ومواثيق دولية

المسلح الذين دعس فوق جثة المقاتلة الكردية نظر إليها كامرأة، إهانتها تعني إهانة وإذلال قومها، وهي في الوقت ذاته مقاتلة، ومعاملتها أو إهانتها لا تختلف عن إهانة ذكر مقاتل من الأعداء. في الحالتين، هذه الشابة ضحية مرتين، أولهما كضحية للذكورة، وثانيهما أن هناك من ورطها في الحرب وبالتالي في فعل القتل المفترض أن تنأى عنه النساء إلا في حالة الدفاع عن النفس، ليس لأنهن غير كفؤات أو شجاعات، بل لأن النساء حافظات للنسل وبخاصة في زمن الحرب. ومشاركة النساء في الحرب السورية (حتى لو كانت لقتال داعش أو محاربة الارهاب واليوم الدفاع عن عفرين) يعني أنهن تورطن في بشاعة هذه الحرب بإرادتهن أو رغما عنهن، وغير مستغرب أن تمر فوق أجسادهن هذه البشاعة دون تمييز.

إقرأ للكاتبة أيضا: حرب المطابخ الأهلية

كثيرا ما اعتقد البعض أن تشوه التماثيل الأثرية الاغريقية القديمة المعروضة في المتاحف وظهور معظمها كأجساد بلا رأس أو مقطعة الأثداء أو قطع منها العضو التناسلي الذكري يعود لحطامها أو لتأثير العوامل المناخية عليها أو غيرها من الأسباب. لكن الحقيقة أن هذا التشويه للأثر الفني للحضارات، كان رسالة حرب متعمدة بفعل بشري، إذ يقوم الغازي بعد انتصاره بقطع الرأس الذي يرمز لعقل وحكمة الإنسان، وقطع الأعضاء التناسلية التي ترمز للخصب والاستمرار، بمعنى الإبادة الشاملة للمهزوم.

هذا السلوك الهمجي مع التماثيل الذي يبدو رمزيا، ما هو في الحقيقة إلا انعكاس للطبيعة البشرية التي تفقد في ميادين الحروب كل "بشرية وآدمية"، حيث لا خطوط حمراء في سُنُن الحرب، وغاية إبادة الخصم والتنكيل به وإفناء كل ما يمت إليه من نسل وحرث وزرع تبرر كل الوسائل. ولا يبدو أن محارب العصر يختلف في جينات وحشيته عن جده الأكبر محارب الأمس، أو يأبه لمعاهدات ومواثيق دولية. الحرب تفرض قذارتها على الجميع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG