Accessibility links

العودة إلى المدرسة


أطفال سوريون في مخيم للاجئين جنوب شرق تركيا

بقلم كوليت بهنا

ترتبط مثل هذه الأيام الأولى من شهر سبتمبر الرقيق باستعدادات وانشغالات العودة إلى المدرسة في معظم أرجاء المعمورة. ومعها، تشهد وسائل التواصل الاجتماعي كثافة في عرض صور لأطفال التقطتها كاميرات أهاليهم تعبيراً عن فرحهم بأطفالهم وحماسهم لهذه العودة. أطفالٌ يبدون في معظم صورهم بهندام نظيف، وحقيبة كتب أنيقة خلف الظهر، وابتسامات ترتسم على وجوه تغمرها الصحة والسعادة والاطمئنان.

في المقلب الآخر من هذه الحياة، يقبع ملايين الأطفال في الظل بلا صور، وقد استبدل العديد منهم حقائب الكتب بحقائب الترحال المملوءة بالذعر والقلق. أو حمل بعضهم أسلحة يشاركون بها على خطوط النار الأمامية كمقاتلين أغرار في حروب الكبار. أو يُحمَّلون بلا شفقة، أثقالاً وأكياساً وهموم أسرٍ يعيلونها كعمال صغار، قصار القامة، رخيصي الأجر والاعتبار.

أطفالٌ لا يعودون للمدارس لأن مدارسهم إما دمرت بفعل الحروب، أو باتت أماكن عسكرية لأحد أطراف النزاع، أو مراكز لإيواء النازحين، أو تركوها خلفهم وحيدة وحزينة كبيوتهم، ولجأوا إلى أراض مفتوحة بلا سقف أو جدران. أطفال حفاة وشبه عراة، مشردون ومحرومون من الماء والطعام والدواء والألعاب، بلا ابتسامات تصلح للصور، حيث لا صحة تسري في عروقهم، ولا سعادة تغمرهم، ولا اطمئنان يطمئنهم.

في اليمن، مليونا طفل بلا تعليم، ومثلهم تقريباً في ليبيا وأماكن النزاع داخل سورية، وأكثر من ثلاثة ملايين طفل ونصف في العراق. أما في مخيمات لجوء السوريين في لبنان وتركيا، فقد أحصي أكثر من نصف مليون طفل بلا تعليم، ما يعني أنك أمام أكثر من عشرة ملايين طفل حرمتهم الحروب حقهم في التعلم. مضاف إليهم أطفال بعض الدول، الذين يتسربون من مدارسهم إلى سوق العمل بسبب عدم مقدرة أهاليهم على تسديد أقساط المدرسة وتكاليفها الباهظة الثمن كمدارس لبنان، أو غلاء المعيشة المتغول والانفجار السكاني المرعب في مصر. ليقارب العدد الإجمالي –يا للهول- حوالي أربعة عشر مليون طفل عربي بلا تعليم ويحتاجون إلى مساعدات إنسانية شاملة بحسب تقرير اليونيسيف لعام 2016، هذا دون أن نذكر بعد عدد أطفال العالم الذين يعيشون ظروفاً ومآسي متشابهة.

في الوقت ذاته، أنت تراقب حجم المال العربي المسفوك على القصور المذهبة والسيارات الفارهة والمجوهرات النفيسة وحفلات الأعراس والمهرجانات الخرافية وأجور نجوم الغناء والتمثيل والرقص الخيالية. مالٌ خبيث يغذي محطات إخبارية تدعم أحد أطراف النزاع، أو جمعيات ومراكز بواجهات بريئة ونوايا غير بريئة تمول الإرهاب وتعزز التشدد والتطرف. مالُ يهدر على مسلسلات وبرامج درامية فارغة المحتوى، وصلت ميزانية بعضها إلى أكثر من خمسة ملايين دولار، تكفي لسد رمق أو تعليم نصف مليون طفل على الأقل.

وأنت تراقب هذا النذر اليسير من الهدر المعلَن وتعلم أن ما خفي أعظم بكثير، ستحسب الأمور بحسبة منطقية بسيطة، وتتوقع ملامح المستقبل القريب، حيث ستنتشر فنون الجريمة والعنف والتطرف والإرهاب والجهل والمخدرات والرذيلة. أبطالها، أطفال اليوم الضعفاء المحرومون من جميع حقوقهم، الذين سيجهدون حين يشتد عودهم غدا،ً لتعويضها بما أوتوا من قوةٍ وحقدٍ وشر، وينهشون العالم الذي لم يرحم طفولتهم، بلا رحمة.

أطفال العالم يعودون اليوم إلى مدارسهم، يحكون لأقرانهم ببهجة عشرات الحكايا المشوقة والممتعة عن مغامراتهم الصيفية على الشاطئ، ويستعرضون مئات الصور في حواسيبهم لرحلات وبلدان وأماكن قاموا بزيارتها، فيما أطفال الظل سيبقون في الظل، وقد أصمتت أفواههم المعاناة وأشكال الرعب والذل الذي يعيشونه يومياً. أبناء قهر لا مدرسة تستقبلهم ولا قرطاسية تبهجهم. لا مغامرات يتفاخرون بها، ولا حكايايقصّونها، لأنهم صاروا هم الحكاية، حكاية بكل تجليات تراجيدتها.

الأطفال المحرومون قادمون، فاحترس أيها العالم.

ـــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG