Accessibility links

الاستثمار في السينما


فيلم "إنغلوريوس باستردز" 2009 المترجم عربياً بعنوان "أوغاد مجهولون"

بقلم كوليت بهنا/

في مشهد تاريخي متخيل يعتبر واحداً من أهم مشاهد فيلم "إنغلوريوس باستردز" 2009 المترجم عربياً بعنوان "أوغاد مجهولون" للمخرح الأميركي كونتين ترنتينو، تنجح بطلة الفيلم اليهودية "شوشانا" الملاحقة منذ طفولتها من ضابط نازي كان قد قتل جميع أهلها قبل هروبها، باستدراج النازي أدولف هتلر ومعه عدد كبير من كبار ضباطه بما فيهم الضابط النازي الذي يلاحقها، إلى صالة السينما التي باتت تمتلكها تحت اسم مستعار، وتفاجئهم خلال عرض الفيلم بالظهور خلف الشاشة القماشية البيضاء الضخمة وتكشف عن هويتها، وقبل أن يدرك الجميع أن ذلك كان فخا وليس مشهداً من مشاهد الفيلم، تكون "شوشانا" قد أشعلت النار في الشاشة وخلفها أكوام هائلة من شرائط السينما الخام وفجرت الصالة بمن فيها. الزعيم النازي لم يمت بهذه الطريقة، لكن المخرج أراد استعمال السينما وأدواتها بشكل مباشر في هذه المشهد ذي الدلالات الكثيرة والعميقة المشتهى بالنسبة إليه، ليوصل رسالة واضحة أن السينما أذكى استثمار لإيصال ونصرة قضيتك التي تتحدث عنها، حتى لو استعملت بذاتها وأدواتها كسلاح للانتقام لقضيتك.

يحضرني هذا المشهد كأهم أنموذج عن استعمال السينما المباشر كحامل لقضايا البشرية، في الوقت الذي أتابع فيه التحضيرات المتكررة سنوياً لأحد مهرجانات السينما المنوي عقده قريباً في دولة خليجية ثرية. مهرجان من الصعب هضم ميزانيته الضخمة المخصصة لعرض أحدث الأفلام العالمية، أو استضافة عدد من نجوم السينما العالمية وتخصيص مبالغ خيالية لقبولهم الدعوة، إضافة إلى استضافة عدد لايحصى من نجوم السينما والتلفزيون والغناء والمشاهير والنقاد والإعلاميين العرب، يقيمون في فنادق السبع نجوم، ويحضر بعضهم بطائرات خاصة، وتخصص لتنقلاتهم أحدث السيارات وأفخرها، يعودون بعدها محملين بأنفس الهدايا العينية والنقدية ليكتمل السخاء العربي الطائي.

من نافل القول أن إقامة مهرجان للسينما حدث هام ومطلوب ومرحب به في كل مكان وزمان للفرصة التي يتيحها للجمهور لمتابعة أحدث العروض والتقاط الصور مع نجومهم المفضلين، حتى لو بذل لأجل هذا المهرجان كل هذا المال لترويجه وإنجاحه ومنحه لقب المهرجان الدولي الذهبي. لكن هذا يحدث في واحد من أغنى الدول العربية التي لاتنتج سينما، وإن فعلت فهي تنتج أفلاماً إما قصيرة أو طويلة، لا تسمن ولاتغني عن جوع، وجودها من عدمه سواء.

في هذه الدولة ونظيراتها من دول الخليج، لايعوزهم توافر المواهب الشابة والواعدة، العديد منهم تلقى فنون صناعة السينما في مدارس عالمية، يتوهمون أن بلادهم الثرية ستحتضنهم حال عودتهم مع عدم توفر العذر المالي للإنتاج، لكنهم سرعان مايصابون بخيبة الأمل، والكثير منهم تضيع أعمارهم وتتراجع مواهبهم وهم يواجهون عدم القناعة أو الاكتراث أو اللامبالاة بأهمية صناعة سينما ترقى إلى العالمية ترفد كل هذا التقدم المعماري والتجاري الذي تفاخر به دولهم المستعدة أن تنفق أموالاً طائلة لكل أنواع وأشكال المهرجانات، دون أن تشعر ولو ببعض الذنب أنها لا تستثمر في سينماحقيقية قادرة على أن تخدم قضايا الشعوب العربية وتنقلها بكل هذا البهاء والذكاء كما فعلت السينما العالمية مع قضاياها، وتمتلك كل هذه القوة السحرية لتدغدغ عواطف الغرباء اتجاه عدالة قضيتك التي تطرحها، أو تفسح لك لإيصال رسالتك الإنسانية للعالم.

إن أردنا استحضار أفضل الأمثلة العربية عن فهم دور السينما كاستثمار، سيكون المخرجون الفلسطينيون الجدد أهم من يعبر عن هذه الأمثلة. لقد خطى هؤلاء الأذكياء خطوتهم الصحيحة الأولى لإيصال قضاياهم نحو العالمية باستعمال السينما كسلاح لايقتل، لكنه يدمي القلوب.

فهل يتعلم منهم الأثرياء العرب أم يكتفون بالمهرجانات؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG