Accessibility links

الحرب الباردة تعود للسينما


مخرج فيلم Atomic Blonde ديفيد ليتش

بقلم رياض عصمت/

إنها الحرب الباردة من جديد، تلك الحرب التي تلاشت صورتها من الواقع السياسي وإن ظلت تتأجج كالجمر تحت الرماد. لم تتلاشَ هذه الحرب الباردة من عالم الإنتاج السينمائي، بل ظلت تستقطب المنتجين وتجذب المشاهدين. أحيا فيلم "الشقراء النووية" (2017) Atomic Blonde ذكريات تلك الحرب في حقبة انهيار جدار برلين في أواخر الثمانينيات بإرادة شعبية جارفة تمكنت من تحقيق المعجزة وتوحيد الألمانيتين.

كثيرة هي الأفلام التي تناولت الحرب الباردة قبيل انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك كتلة الدول الاشتراكية، لكن بعض الأفلام المتميزة ظلت تظهر لتستقطب الجماهير أو تنافس على الجوائز خلال ربع القرن الأخير، نذكر منها على سبيل المثال: "العين الذهبية" (1995) من إخراج مارتن كامبل، و"سمكري خياط جندي وجاسوس" (2011) من إخراج توماس ألفردسون، و"جاك رايان: عميل الظل" (2014) من إخراج كينيث براناه، و"جسر الجواسيس" (2015) من إخراج ستيفن سبيلبرغ. للوهلة الأولى، يخال المشاهد أن "الشقراء النووية" فيلم تجاري خالص، لكنه ما يلبث أن يفاجأ بقصة جاسوسية جادة.

استلهم فيلم "الشقراء النووية" موضوعه من قصة مصورة للكاتبين أنتوني جونستون وسام هارت، عنوانها "أبرد المدن" The Coldest City، وكان يفترض أن يحمل الفيلم ذلك العنوان، (وكان ذلك أفضل كي لا يوحي بالرخص التجاري)، لولا أن كاتب السيناريو كورت جونستاد أعطى النجمة تشارليز ثيرون دورا محوريا بعد قضائها خمس سنوات من السعي لإنجاز هذا الفيلم، وبعد أن بذلت جهداً استثنائياً في التدرب القتالي العنيف على أيدي ثمانية مدربين، ثم قامت بتنفيذ المعارك بنفسها في لقطات غالباً ما استمرت دون مونتاج.

لا يستغرب المرء ذلك إذا ما علم أن مخرج الفيلم، ديفيد ليتش، هو مدرب محترف للمشاهد الخطرة سبق أن عمل بديلاً لكل من براد بيت وجان-كلود فان دام في عدة أفلام، وأن هذا الفيلم هو إسهامه الإخراجي الأول بعد أن شارك في إخراج بعض مشاهد فيلم "جون ويك" (2014) من بطولة كيانو ريفز، الذي تدرب مع تشارليز ثيرون خلال تحضيره للجزء الثاني من تلك السلسلة. كما جلب المخرج كلاً من مدير التصوير الفرنسي جوناثان سيلا والمونتيرة إليزابيث رونالدسدوتر من طاقم "جون ويك" التقني. وحدها الموسيقا، التي وضعها تايلر بيتس، بدت ناشزة في صخبها، وفي غير مكانها الطبيعي المناسب!

تبدأ السمات الفنية للفيلم بالظهور منذ لحظاته الأولى، إذ سرعان ما يكتشف المشاهد أن الفيلم مبني على طريقة الاستعادة الذهنية (الفلاش-باك.) تذهب لورين بوجه وجسد أثخنتهما الكدمات والجراح إلى جلسة استجواب يقودها رئيسها في الاستخبارات البريطانية (توبي جونز)، بحضور مندوب عن المخابرات المركزية الأميركية (جون غودمان)، بينما يراقب مسؤول بريطاني أعلى ذلك الاستجواب خلسة من وراء زجاج. هكذا يتابع المشاهد أحداث المهمة الخطرة التي كلفت بها لورين (تشارليز ثيرون) بعد مصرع صديق حميم لها على أيدي المخابرات الروسية في برلين لاستعادة قائمة سرية تفضح أسماء الجواسيس الروس سربها منشق (إيدي مورسان) بمساعدة عميل الاستخبارات البريطانية في برلين ديفيد بيرسيفال (جيمس ماك-آفوي)، الذي تشك لورين في كونه العميل المزدوج الخطير الذي يعمل لصالح الروس من وراء ظهر البريطانيين. سرعان ما يكتشف المشاهد أن مغامرة العميلة الشقراء لا تثير الحماسة والابتسام كما في بعض أفلام جيمس بوند القديمة، بل هي مغامرة تغمر المشاهد بمزيج من الكآبة والتوتر وسط أزقة "أبرد المدن"، ليس كإشارة إلى الطقس فحسب، وإنما ربما كدلالة على الحرب الباردة التي لم تضع أوزارها سينمائياً حتى الآن. ي

عيدنا كاتب السيناريو بإسراف بين حين وآخر إلى استجواب لورين، بينما يتقدم وعي المشاهد ببطء السلحفاة في متاهة من التآمر والغدر والعنف الدموي الصارخ، محاولاً التوحد عبثاً مع بطلة لا توحي بالتعاطف، بل يراها لا تتورع حتى عن اقتراف ما هو غير أخلاقي بهدف الكشف عن هوية الخائن المتآمر على سلامتها وسلامة ذلك المنشق الذي تحاول تهريبه، بما في ذلك إقامة علاقة مع عميلة المخابرات الفرنسية ديلفين، (لعبت دورها الجزائرية صوفيا بوتيللا)، التي تدفع حياتها ثمناً لذلك. تفشل لورين في إنقاذ المنشق، لكنها تكشف هوية الخائن، وإذا به عميل الاستخبارات البريطانية في برلين، فتعدمه بدمٍ بارد. وهنا، إحدى هنات السيناريو، إذ أن اكتشافه لم يكن مفاجئاً، بل مهد له الكاتب مسبقاً. المفاجأة ذات العيار الثقيل تأتي في الختام، فعقب إغلاق ملف الاستجواب، تذهب لورين لمقابلة عملاء الاستخبارات الروسية زاعمة أنها جلبت لهم ما يريدون. قبل أن يقتلوها، تصفيهم لورين جميعاً بدمٍ بارد. ما نلبث أن نرى لورين على متن طائرة خاصة مع مندوب المخابرات المركزية الأميركية وقد تخلت فجأة عن لهجتها البريطانية ليكتشف المشاهد أنها عميلة ثلاثية الانتماء، تعمل أساساً لصالح الأميركان.

حرصت تشاليز ثيرون على تقديم شخصية مغايرة عن أنجلينا جولي في أفلام الحركة والمغامرات "لورا كروفت"، و"سولت" و"مطلوب". كما ابتعدت عن صورة سكارلت جوهانسون في "المنتقمون"، و"لوسي" و"شبح في صَدَفة". جسدت تشاليز ثيرون شخصية معقدة عبر أداء تمثيلي بعيد عن النزعة التجارية، كما سبق أن فعلت في فيلم "الوحش" (2003) الذي استحقت عليه أوسكار أفضل ممثلة. الحق يقال، إن مشاهد القتال في الفيلم بالغة العنف، بحيث اقتضت جهدا جسديا استثنائيا، وحبست الأنفاس محققة أقصى درجات الإقناع. لم تكن شخصية لورين في "الشقراء النووية" مرسومة بالأسود والأبيض، بل جاءت شخصية ذات ظلال رمادية. لكن تلك النزعة لتصوير سلبيات البطلة أكثر من إيجابياتها هي نقطة ضعف الفيلم، إذ جعلت المشاهد قلَّما يشعر بالتعاطف والتوحد معها. إنها موضة رائجة في السينما المعاصرة، لكنها في هذا الطراز من الأفلام جاءت مثل السباحة عكس التيار. في الوقت نفسه، رفع هذا من قيمة الفيلم، ناقلاً إياه من نمط أفلام المغامرة والترفيه ليحتل مكانة أعلى كفيلم جاسوسي يعيدنا إلى حقبة الحرب الباردة.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG