Accessibility links

بقلم كوليت بهنا

قبل فترة وجيزة، انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي دعوات بدأت متفرقة ثم وصلت إلى مستوى حملة منظّمة تحت عنوان (زوّجي زوجك).

انطلقت الحملة في مصر أولاً ثم تبنّتها بعض النساء في الشمال السوري، وهدفها إقناع النساء بقبول زوجة ثانية لأزواجهن من أجل التخفيف من عدد الأرامل اللاتي خلفتهن الحرب أو المطلقات وإبعاد شبح العنوسة عن الفتيات، والتخفيف من أعباء الحياة التي تتحملها المتزوجات عبر إحضار زوجة ثانية تساعد في تحمل الأعباء المنزلية وتربية الأطفال أو المشاركة بالأعباء الاقتصادية. والأفضلية لسيدة أو فتاة لديها دخل مالي.

قوبلت الحملة بردود فعل وانقسامات حادّة عبّر عنها رجال ونساء بين تأييد وقبول وتبرير وتفسير، وبين استهجان ورفض مطلق على اعتبار أنها حملة مهينة لكرامة المرأة وجارحة خاصة وأنها انطلقت من فكر نسائي ضد النساء.

صحيح أن النساء في الدول العربية التي ما زالت الحروب مشتعلة فيها، يدفعن الثمن الأكبر والباهظ لتلك الحروب، من حيث عدد الأرامل وارتفاع نسبة العنوسة، أو من حيث لجوئهن للتسول واستغلالهن جنسياً، أو اضطرارهن للعمل في أعمال شاقة جسدياً. لكن نظرة سريعة لعدد آخر من الدول العربية (الآمنة)، تكشف تردي وضع المرأة فيها بمستويات متعددة، حيث ترتفع نسب العنوسة والطلاق وتراجع التعليم وفرص التنمية وغيرها. فالحرب إذاً ليست المسبّب الأوحد لكارثية وضع النساء، إنما أسباب كثيرة كانت ولا تزال تعزز هذا التدهور، منها المغالاة في المهور وتكاليف الزواج والعادات والتقاليد التي تقيد حرية المرأة في اختيار شريك حياتها وتتفاوت حدّتها من بلد إلى آخر. يضاف إلى كل هذا، العامل الاقتصادي و الهجرة وغلاء المعيشة المتوحش الذي يدفع بالشبان للعزوف عن الزواج أو التأخر عنه، مع ارتفاع نسب البطالة التي تعاني منها معظم هذه المجتمعات وتعتبر مسبباً رئيساً وكارثياً.

تعدّد الزوجات الذي يبرّره البعض بالاستناد إلى الشرع الإسلامي، أمرٌ واقعٌ ومنتشرٌ بنسب متفاوتة ولا يمكنك أن تنفي حدوثه أو قناعة البعض به. ومع الاحترام للحرية الفردية لمن يقدم عليه برغبته أو يضطر إليه لأسباب مختلفة، لكن أن يتحول إلى حملة تقودها نساء، فالأمر بالتأكيد يستحق الاهتمام. فالمروّجون والمروّجات لتعدد الزوجات، الذين يعدّدون حسناته وفي مقدّمها التعاطف مع النساء الوحيدات، لا يذكرون (ولن تعدلوا)، ولا نتائجه المدمرة اللاحقة والواضحة للغاية. وإن كان حال العديد من النساء اليوم كارثيا جراء وحدتهن لأسباب متعددة في مجتمعات محافظة ذات أحكام قاسية وغير عادلة بحق المرأة، فالحل لا يكون بالانتقال "من تحت الدلف لتحت المزراب" كما يقال بالعامية.

الحلول المناسبة واضحة وجلية للغاية، تتحملها الحكومات بالدرجة الأولى ومنظمات المجتمع المدني، عبر الدفع لإيقاف الحروب وإحلال السلام الدائم، وتنفيذ برامج التنمية المستدامة، وتسخير الإعلام لنشر التوعية في المجتمعات، والحد من البطالة وتسهيل نفقات الزواج وتأمين الشقق السكنية الصغيرة بقروض ميسّرة. كما أن نشر التوعية لدى النساء ومجتمعاتهن بإعادة النظر ببعض العادات البالية، وتخفيف المهور النقدية أو الذهبية التي تثقل على كاهل الشبان و(تطفّشهم)، والتأكيد على أن الزواج عقد مقدس بين رجل وامرأة لبناء أسرة صحية تدفع بالمجتمع نحو الأفضل وليس نحو نتائج كارثية مضافة.

المضحك - المبكي، أنه في وقت تتجه فيه شعوب معظم دول العالم، ومن بينها بعض دول العالم العربي للمطالبة بالمزيد من التعددية السياسية والحزبية والدينية والإعلامية والاثنية وغيرها، تصدر أصوات تطالب بتعدد الزوجات فقط !!! مع أحقية التساؤل هنا إن كانت حملة مماثلة بعنوان (زوّج زوجتك) ستلقى القبول؟

------------------------------------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG