Accessibility links

بقلم كوليت بهنا

ليومين متتاليين، عانت إحدى السيدات من التهاب خطير في خدّها الأيمن، تبين في ما بعد أن رأس إبرة الخياطة كسر ونُسِيَ في باطن خدّها أثناء خضوعها لعملية صنع (غمّازة) اصطناعية!!!

تلك واحدة من سيدات كثيرات يتعرضن يومياً لمخاطر وتشوهات عمليات التجميل التي قادت بعضهن إلى حتفهن الأخير، دون أن تردع هذه الأخبار المهووسات بالتجميل، أو تعقلن من اندفاعهن إليه. بل على العكس، باتت هذه العمليات المتنوعة تجذب حتى الرجال على غرار ملايين الفتيات والنساء، ضاربين جميعاً عرض الحائط بكل التحذيرات جراء تجارب يجريها هواة غير مرخَّصين طبياً، أو أدوية رديئة، أو حتى عدم الأهلية الصحية الجسدية لإجراء مثل هذه العمليات.

انتشرت هذه العمليات في العقد الأخير بشكل هستيري في معظم دول العالم، بما فيها معظم الدول العربية، وأشير إلى أن مصر والسعودية ولبنان الأعلى في أرقام العمليات . كما لوحظ ازدياد الإقبال عليها في دول غير مستقرة مثل سورية، في سلوك علّله البعض كتعويض نفسي في زمن الحرب. وفي واقع الأمر، ابتدأت هذه العمليات قبل الحرب بسنوات، كتقليد وغيرة بين النساء، يدفعهن إليها الفراغ العاطفي والنفسي والبطالة وعدم التعلم والثقافة. ويمكن القول إن معظم النساء العربيات لا يختلفن عن نظيراتهن في الولايات المتحدة أو أوروبا أو استراليا أو جنوب أفريقيا. النساء نساء، ومعظمهن بتن يطمحن اليوم إلى مظهر مختلف وعصري مهما كلف الأمر. تشحن ثقافتهن البصرية ماكينة إعلامية متوحشة، تضخّ ليلاً نهاراً عبر الفضائيات، صوراً لفاتنات، ومغنيات كاسحات في كليبات، وممثلات ناريات كالصواريخ العابرة للقارات، إضافة إلى شبكة عنكبوتية ووسائل تواصل اجتماعي لا تتوقف عن تناقل صور حسناوات جميلات، يسرقن النوم والرشد من عيون الرجال والشبان، ويعممّن مقاييس ومعايير جديدة للجمال تختلف عن صورة تلك الفتاة الرومانسية ذات الشفتين الرقيقتين والفم الصغير الذي كان إلى زمن مضى ملهماً للشعراء.

مقاييس ومعايير للجمال جديدة، شاملة وكاسحة، جعلت العديد من النسوة يقفن مطولاً أمام المرآة ويكرهن ذواتهن، ويقررن أن يجمّلن وجهوهن وأجسادهن ما استطعن إليه سبيلا. بحيث ينتقلن بين ليلة وضحاها، أو ما قبل التجميل وما بعده، من امرأة عادية للغاية، إلى امرأة ملفتة للأنظار غير عادية. لا تعكر صفوها تجاعيد في البشرة، ولا يؤرق نومها ترهّل في الجفنين أو البطن. امرأة (نيو لوك) تشبه النجمات، تُفتح أمامها أبواب العمل الإداري والفني والإعلامي على مصراعيها، وتنسكب عند قدميها فرص الحب والغرام وعروض الزواج الخرافي.

عمليات تجميل لم تعد تقتصر كبداياتها على ضرورة إصلاح بعض التشوهات الخلقية مثل الفك و الأسنان أو تشوهات الأنف الحادة، التي يؤدي إصلاحها المتقن إلى تحسن ملحوظ شكلاّ ومعنوياً. بل باتت تشمل كل شيء في الجسد، من الرأس حتى أخمص القدمي، تستعمل فيها خيارات الليزر أو الشدّ أو الشفط أو التقشير أو الخيوط أو الحقن المالئة، أو العمل الجراحي الذي يمكنك من خلاله أن تختار شكلك الجديد حسب (الكاتالوغ). وآخر ما يتم تداوله اليوم كموضة، التجميل الخاص بالرقبة المسمى بـ (رقبة نفرتيتي).

باختصار، لست ضد عمليات التجميل بالمطلق، ولا أحد ينكر إيجابياته وضروراته في حالات عدة. لكن مع عقلنته وترشيده للحد من (التقبيح) المنتشر تحت مسمى التجميل. وإن رغبت سيدتي برقبة مثل (نفرتيتي) التي يعني اسمها (الجميلة أتت) لابأس بالأمر. لكن تذكري أن تقرئي عن هذه الملكة الفرعونية التي كانت من أقوى النساء في مصر القديمة وتستعمل عقلها، لا رقبتها.

اقرئي سيدتي، المهم أن تقرئي ، حتى لو كنت تنتظرين دورك في عيادة التجميل.

-----------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG