Accessibility links

من الخزعبلات إلى المؤامرات التي تتحقق بنفسها


وزير الدفاع الأميركي مستقبلا ولي العهد السعودي (أ ف ب)

بقلم حسن منيمنة/

يبدو، وفق الخبراء الروس وغير الروس والذين تحاورهم محطة آر تي العربية (وهي التي لم تعد ترغب بأن تعرف باسم "روسيا اليوم")، أن رواد الفضاء الأميركيين لم يهبطوا قط على سطح القمر، بل المسألة كانت كذبة وحسب لزعم التفوق على الاتحاد السوڤياتي. بل يظهر أن اعتداءات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2011 لم تكن البتة كما تفصلها الرواية الرسمية، إذ جرى الإعداد لها من جانب الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في الولايات المتحدة لتحضير الرأي العام وتعبئته للحروب التي كانت إدارة الرئيس السابق جورج دبليو بوش تعد العدة لها، وذلك إشباعا لجشع مموليها وخدمة لإسرائيل. ولا غرابة في هذه الخزعبلات لدى أوساط واسعة من جمهور المشاهدين في العالم العربي حيث القناعة راسخة بأن الولايات المتحدة هي القوة الباطشة في عموم العالم، وفي الشرق الأوسط تحديدا.

ثمة اختلاف في الثقافة السياسية العربية بشأن تقييم دور الولايات المتحدة. والمواجهة هنا، على الإجمال، هي بين رؤيتين متعارضتين، إحداهما، وهي "الممانعة"، تعتبر الولايات المتحدة شريرة تتعمد الأذى، والأخرى، وهي "المعتدلة"، تقتصر على تصنيفها بالمؤذية وتمتنع عن الحكم بشرها.

طرح المؤامرة هو جزء من أسباب اتساع الشرخ الثقافي بين العالم العربي والولايات المتحدة

ومن باب "من فمكم ندينكم"، فإن الولايات المتحدة قد أخطأت في التدخل في العراق، بل كذبت لتتدخل، وفق ما أكده الرئيس السابق باراك أوباما، وهي المسؤولة عن إنشاء تنظيم داعش، حسب ما كشف عنه الرئيس الحالي دونالد ترامب. ومع هذا الإقرار وذاك، لم يعد الأمر مسألة وجهات نظر، وشر الولايات المتحدة ليس خلافيا، وفق التأكيد الذي تكرره قنوات التعبئة المعادية للولايات المتحدة، وإن كان النقاش لا يزال يبحث في الدافع. فهل هذا العبث بأمن المنطقة وصالحها إضرار متعمد يهدف إلى استنزافها وسلب خيراتها، أم هل أن واشنطن وحسب، بحكم السطحية في ثقافتها المنحلة والجشع الملازم لنظامها الرأسمالي غير قادرة إلا على الإساءة؟

طبعا، كل ما سبق من مزاعم، جملة وتفصيلا، فاسد بني على فاسد. ولكن تكراره المتواصل يطمس الأصل المعتل ويخرج فساده من نطاق المساءلة، ويرفع الأقاويل والافتراءات إلى مقام المتواتر الذي لا بد من القبول بصحته.

اقرأ للكاتب أيضا: قضية طال تأجيل حلها: المعتقلون الإسلاميون في لبنان

تفنيد سريع وحسب لهذه الروايات التي يسوقها الإعلام الممول روسيا وإيرانيا: الرواد الأميركيون هبطوا على القمر، ولو لم يفعلوا لما صمت عن هذه الخديعة المزعومة الاتحاد السوڤياتي على مدى العقود، واعتداءات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر من تخطيط تنظيم القاعدة وتنفيذه.

يكفي لدحض الزعم الخرافي بخلاف ذلك التنبيه إلى أن هذا الزعم يصر على أن الحكومة الأميركية قد جيشت سرا أعداد المتآمرين لتنفيذ جريمتها، ولكنها عجزت على ما يبدو عن دس أنبوب واحد في مختبر ما في العراق، بعد أن نالت مبتغاها من الحرب، لتزعم أنها وجدت السلاح الكيماوي، وفضلت بدلا عن ذلك الإحراج الذي يرافقها إلى اليوم. اللهم إلا إذا سبر جهبذ فطن سر أن هذا الإحراج ثمن مقبول للتستر عن الجريمة، وإن بالفضيحة.

هو منطق المؤامرة والذي يقدم لمن يرضى به إطارا تفسيريا متماسكا، قوامه الإثارة والاطلاع المميز العصي عن غيره، ويتيح له تأطير غضبه باتجاه المتآمرين. وهو منطق محصن، سواء إزاء النقد، ذلك "أنه من المؤامرة الزعم أن لا مؤامرة"، أو باتجاه إلقاء التهمة عينها على الناقدين. فهذا المقال الناقد لمنطق المؤامرة، على سبيل المثال، إما أن كاتبه متآمر، أو أنه فريسة خديعة خفية عنه.

لا جدوى بالتالي من مجرد إصدار الأحكام وزعم الأفضلية الفكرية، بل لا بد أن يكون الاعتراض انطلاقا من تفكيك للطرح المشبوه. ومواجهة الطروحات المؤامراتية المنشغلة بالولايات المتحدة، والتي تستهلك حيزا ضخما من الطاقة الفكرية العربية في جهد عقيم، لا تتحقق بالدفاع عن المواقف الأميركية، فهذه متقلبة حكما، بل في مساءلة أساس التصوير العربي للدور الأميركي.

فالحقيقة التي تستصعبها الثقافة السياسية العربية هي أن موقع قضايا المنطقة برمتها، بما في ذلك فلسطين وإسرائيل، في الهم السياسي للولايات المتحدة، جانبي وهامشي. فالأموال والجهود المرصودة لمتابعة هذه القضايا، وإن بدت هائلة من وجهة نظر عربية، ليست إلا قدرا ضئيلا مما تخصصه دوائر الحكم والشرائح السياسية في واشنطن لمعالجة المسائل التي تعنيها وتشغل ناخبيها.

الانطباع المحلي في الإطار العربي مختلف طبعا، فالإعلام يصور الوقائع وكأن الشؤون العربية في صدر الاهتمام الأميركي. زيارة محمد بن سلمان ولي العهد السعودي آخر نموذج في هذا الشأن. الإعلام السعودي والموالي للمملكة نقل الحفاوة المحيطة بالزيارة وكأنها حدث تاريخي، فيما الإعلام القطري ركز على الاحتجاجات التي صاحبت الزيارة، بما يوحي بأنه ثمة اعتراض شعبي عليها.

المقومات التي بوسعها أن تعزز من مكانة القضايا العربية في أميركا ليست قليلة، غير أن القراءات العربية للحال الأميركية تساهم في تنفير الجهات والشرائح التي بمقدورها إبراز هذه القضايا

والواقع أن المواطن في الولايات المتحدة لم يشعر لا بهذا ولا بذاك، فاستقبال كافة الزوار الرسميين ينضوي على مراسم حفاوة ترتفع وتنخفض ضمن نطاق ضيق، ورفع يافطات الاحتجاج ممارسة يومية متكررة، منها الصادق ومنها العبثي ومنها المأجور. فاستقبال الأمير كان جُزَيْئَة وحسب من المتابعات الإعلامية الاعتيادية، وحتى المسعى في الكونغرس للحد من تسليح المملكة صعد وهبط كوجه من التجاذبات بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي وحسب.

وعندما يلجأ سياسي أميركي إلى الإفراط بالمبالغة الخطابية العدائية حول "كذب" سلفه لتبرير حرب هجومية، أو "مسؤولية" خصمه عن إنشاء منظمة إرهابية، فإن دافعه سياسي محلي انتخابي لا يأخذ بالاعتبار البتة، للأسف، أن قوله سوف يضاف إلى جعبة الاتهامات الموجهة إلى الولايات المتحدة في الثقافة العربية.

اقرأ للكاتب أيضا: تضاد وتداعيات في مفهوم الحزب بين الولايات المتحدة والعالم العربي

والواقع أن التجاوز في الاتهام مقبول في السياق الانتخابي المحلي في الولايات المتحدة إذ يحسب له الجمهور الحساب على أنه من مجانبة الحقائق والملازمة للخطاب السياسي. أي أن كلاما كهذا لا يؤخذ بمطلق الجدية، ولا سيما إن كان الموضوع، كما قضايا الشرق الأوسط، مسائل لا تستحوذ على اهتمام الناخبين.

والانكفاء الأميركي غير المبالي بالشؤون الخارجية إلا عرضيا ليس سمة إيجابية، غير أن إدراك حقيقته يسمح بتفسير أكثر اعتدالا وموضوعية للسلوك السياسي الأميركي. الإعلام المعادي للولايات المتحدة، مباشرة أو مواربة، لا يلحظ هذا الانكفاء، بل يعمد إلى تصوير المشهد الأميركي على أنه نتيجة تلاعب لإعلام سلطة، أو هيمنة لإعلام مؤيد لإسرائيل.

وفي كلتا الحالتين، تضفى على الجمهور الأميركي المستهلك للإعلام صفات السذاجة والانقياد بل الغباء. فالطرح المقدم للمتابع العربي هو أن التذبذب في المواقف الأميركية، السياسية منها والثقافية، عائد إلى قصور تستفيد منه زمرة متآمرة. أما الطرح البديل، وهو بالتأكيد أقل جاذبية وإن كانت الأدلة على صحته أوفر، فهو أن عدم اهتمام المجتمع والثقافة والسياسة في الولايات المتحدة بالشأن العربي عائد إلى أن هذا الشأن ليس ذا أهمية مرتفعة بالنسبة لها.

وهنا تكمن المفارقة. فالمقومات التي بوسعها أن تعزز من مكانة القضايا العربية في الولايات المتحدة ليست قليلة، غير أن القراءات العربية للحال الأميركية تساهم في تنفير الجهات والشرائح التي بمقدورها إبراز هذه القضايا. أي أن طرح المؤامرة هو جزء من أسباب اتساع الشرخ الثقافي بين العالم العربي والولايات المتحدة. ومع اتساع هذا الشرخ، ما يتعزز هو تحديدا القراءات المؤامراتية.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG