Accessibility links

ما هي الثقافة؟


هل تستطيع الثقافة أن تكون خدقا للدفاع وجه التعصب والإرهاب؟

بقلم رياض عصمت

ما هي الثقافة، وما دورها في المجتمعات العربية النامية؟ هل تستطيع الثقافة أن تحدث تحولاً بنّاءً في المجتمع، وتنشر وعياً يكون بمثابة درع يصد سهام التطرف المسمومة عن الأذهان والنفوس؟ هل تستطيع أن تكون حقاً خندق الدفاع الأول في وجه التعصب والإرهاب؟ هل تحمل راية التغيير في مجتمعات محتقنة بالإحباط والنقمة؟ هل تملك التعويض عن فقدان البوصلة واضمحلال الأمل لدى الشباب العربي؟ أسئلة كثيرة تزداد مشروعيتها وتتطلب البحث الدؤوب والمستمر عن إجابات ناجعة. ما يدعو للأسى أنه بدلاً من تحسن الأمور في زمننا الراهن، فإننا نشهد تراجعاً ثقافياً في بلدان الشرق الأوسط عامةً نتيجة عدة عوامل قاهرة. لعل من أهم تلك العوامل غياب ممارسة الديمقراطية الحقيقية، وتهميش الحقوق الإنسانية للمواطن إلى حد امتهان الكرامة، والشعور بعدم الأمان الاقتصادي أمام مستقبل غامض، بينما يتلاشى الماضي تدريجياً من ذاكرة ووجدان الشباب كحفنة من الرمال في راحة اليد، ويضمحل الاهتمام بالثقافة الكلاسيكية والحديثة باللغة العربية الأم مقابل اجتياح الثقافات الأجنبية. كل هذا يجعل طرح السؤال اليوم عن دور الثقافة في جسر الهوة بين عموم الشباب وبين السلطة أكثر أهمية من أي زمنٍ مضى.

بغض النظر عن الدور الذي تمارسه وزارات الثقافة العربية وبعض المؤسسات الأخرى كاتحادات الأدباء والفنانين والنوادي الأدبية، أجزم أن بوسع الحكومات العربية عامةً أن تقدم ما هو أكثر بكثير لخدمة الثقافة وتطويرها، وذلك حين تنتقل من مفهوم "الوصاية" إلى مفهوم "الرعاية"، أي حين تثق بموقف المبدع الناقد من أجل تحقيق الإصلاح، وتتسامح مع رأيه الحر والمختلف، بل تستجيب له بدافع العقل والحكمة. للأسف الشديد، فإن غالبية الحكومات تنظر حتى الآن نظرة ارتياب إلى المثقف أو الفنان، بل يعتبر بعضها انتقاداته موقفاً مناوئاً، مغرضاً، سلبياً وهداماً. إن الشعوب في مختلف أرجاء وطننا العربي الكبير تحتاج إلى الاقتداء بالدول المتقدمة ثقافياً في العالم بأن تتيح حرية تعبير واسعة للمبدعين، وأن تتعامل مع إبداعاتهم الجريئة بأريحية وانفتاح، معتبرة إشعاعاتهم منارات تهدي إلى شاطئ الازدهار، لا إلى صخور الدمار. الثقافة ملكوت واسع الطيف، يرحب بالتعددية والاختلاف والتنوع، ويكرس التسامح بين الأقليات التي يفترض أن تتعايش مع بعضها بتناغم وانسجام، مثل لوحة الفسيفساء.

تتكون شعوب معظم الدول العربية من أقليات عرقية متعددة، تتنوع بين كونها دينية، أو قومية، أو طائفية. نجد بعض هذه الأقليات تمتلك لغتها الخاصة، إذ أن في سورية وحدها - على سبيل المثال – عدة لغات محلية إلى جانب اللغة العربية الرسمية واسعة الانتشار، فهناك الأرمنية والآشورية والكردية والشركسية. لكن انتشار اللغة العربية كان كفيلاً بتوحيد تلك الأقليات كافة مع الغالبية، وخلق تعايش بناء بينها على أرض الوطن المشترك الواحد. إن من شأن الدستور والقوانين المدنية أن تكفل حقوق المواطنين سواسية، بغض النظر عن كون المواطن سنياً أو شيعياً أو علوياً أو إسماعيلياً أو درزياً، بل بغض النظر عن انتمائه الديني. لذا، عادت تتردد بقوة مقولة: "الدين لله، والوطن للجميع"، تلك المقولة التي نسبت إلى عديد من الشخصيات عبر تاريخ العرب، من بينها القائد صلاح الدين الأيوبي الذي حرر القدس من الصليبيين، والملك فيصل الذي لعب دوراً مفصلياً في تحرر العالم العربي من الإمبراطورية العثمانية، والزعيم الوطني المصري سعد زغلول، وقائد الثوار في جبل الدروز ضد الانتداب الفرنسي سلطان باشا الأطرش، كما نسبت أيضاً إلى بعض الغربيين ممن أرادوا النأي بالمجتمع المدني عن سلطة الكنيسة وصراعات الطوائف. اليوم، يتغنى كثيرون بهذا الشعار، ولكنهم في حقيقة الأمر لا يمارسونه بالصدق نفسه.

للأسف الشديد، يصر المتطرفون من كل جانب على رفض أن يكون الوطن للجميع، ويجهدون ساعين إلى إحياء نظام سياسي ديني، بل طائفي التوجه، رافضين من خلاله الاعتراف بمواطنية الآخر، وبحقه في التباين والاختلاف عنهم في الفكر والعقيدة تحت سقف الوطن الواحد. إنها دعوات متعصبة ذات منحى شمولي مثلها مثل عديد من الأنظمة القائمة التي يجري الصراع معها لإيجاد بدائل ديمقراطية تكفل العدل والمساواة والكرامة. "الدين لله، والوطن للجميع،" جملة فيها اعتراف بحق الآخر في أن يؤمن بالعقيدة التي يريد، لأن الإيمان عاطفي كما أنه متوارث، لكن العقائد لا تتعارض مع التسامح وحسن التعايش والتآلف بين جميع أطياف الناس المنتمين إلى خلفيات متنوعة. هذا وحده ما سيجعل كل مجتمع عربي كحجر الماس، يعكس إشعاعات عديدة تكرس جماله وتبهر أنظار العالم. هذه هي المهمة الملقاة على كاهل الثقافة والمبدعين من أدباء وفنانين ونقاد.

ــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG