Accessibility links

مخاطر العيش في دولة حزب الله


مواطن في ضاحية بيروت الجنوبية يضع أكياس رمل لحماية متجره من أي تفجيرات مستقبلية

بقلم حازم الأمين/

يريد أمين عام حزب الله اللبناني السيد حسن نصرالله من اللبنانيين أن يقفوا إلى جانبه في حملته على دول الخليج وعلى رأسها السعودية. لا بأس قد يقول المرء أن في الخليج ما لا يجب الوقوف إلى جانبه، وأن نصرالله من جهة أخرى ممسك بلبنان ومن المنطقي أن يطمح إلى جر اللبنانيين إلى موقع حزبه في الصراع الإقليمي، بدءاً من لبنان ومروراً بسورية والعراق ووصولاً إلى اليمن.

ليس أمام نصرالله عقبات سياسية كبرى في مهمته هذه. القوى السياسية والطائفية اللبنانية رفعت لحزب الله الأعلام البيضاء. سعد الحريري لا يستطيع الوقوف بوجهه، وأفضاله على ميشال عون "كبيرة"، ونبيه بري ووليد جنبلاط صامتان في المواجهة بين نصرالله ودول الخليج. لكن أمام الأمين العام حقيقة ثقيلة سيكون تجاوزها وبالاً على كل لبنان، وتتمثل في أن ثمة نحو ثلاثمئة ألف لبناني يعملون في الخليج وهؤلاء يعيلون نحو ثلاثمئة ألف عائلة، أي ما يقرب من ربع اللبنانيين! وهؤلاء وكلما رفع نصرالله صوته واصبعه يستعيذون بالرحمن، ويبدأون بتحسس مستقبلهم.

لم يقترح نصرالله على ربع الشعب اللبناني حلاً لهذه المعضلة. ودعوة اللبنانيين إلى أن يكونوا جزءاً من المواجهة الإقليمية التي يخوضها الحزب لم تصطدم بقناعات بقدر اصطدامها بحقائق من النوع الثقيل. فلبنان اليوم أسير حقيقتين، الأولى أنه دولة حزب الله، والثانية أنه عرضة لاحتمالات العقوبات على الحزب من كل حدب وصوب. مشروع قانون العقوبات الأميركية على الحزب سيصيب الاقتصاد اللبناني، وأي رغبة خليجية بالرد على خطب نصرالله ستستهدف مصالح اللبنانيين في الخليج.

القوى السياسية اللبنانية، ومن بينها خصوم الحزب ليست بريئة من السقوط في هذه الهاوية، ذاك أن مصالحها مع الحزب تقدمت على مصالح اللبنانيين. قبول الحزب كشريك أكبر في السلطة تم بتواطؤ مسيحيين وبطغيان شعور الهزيمة لدى القوى السنية. انعقدت السلطة فجأة على رئيس للجمهورية حليف الحزب في السراء والضراء وعلى رئيس للمجلس النيابي يشكل امتداداً لنفوذ الحزب وعلى رئيس للحكومة لم يبد في سنواته الأخيرة أي رغبة في موازنة سلطة الحزب.

هذا المشهد منظوراً إليه من واشنطن أو من العواصم الخليجية لن يحصن اللبنانيين من أي عقوبات ستستهدف حزب الله. واليوم يبدو أن هذه الاستحقاقات تقترب، ويقترب في موازاتها احتمالات سقوط اللبنانيين في أتونها.

لكن لهذا المشهد الانحداري وجه آخر يتمثل في عجز حزب الله والحلف الإقليمي الذي يمثله عن إنجاز نصر كامل، وعن جعل النصر العسكري حقيقة سياسية. فحساب الحرب ليس ميدانياً وحسب، إنما أيضاً سياسي واقتصادي واجتماعي. المنتصر ما لم يكن مستعداً لنصره ولاستثمار النصر على نحو واقعي سيتحول النصر في قبضته إلى جمرة تحرق يده. في لبنان انتصر حزب الله على القوى السياسية التي هزمته في الانتخابات، لكن كيف له أن يصرف هذا النصر سياسة وهيمنة؟ الأثمان التي لا يستطيع اللبنانيون دفعها لقاء قبولهم بأن لبنان هو دولة حزب الله لا يستطيع الحزب تعويضهم إياها. لن تستقبل طهران الكفاءات اللبنانية النازحة من الخليج. لا تحتاجها أصلاً ولا تستطيع تحمل كلفتها. كما أن اقتصاد حزب الله صار جزءاً رئيساً ومتداخلاً مع الاقتصاد اللبناني، وأن تستهدف العقوبات الأميركية الحزب فهي حكماً ستطال الاقتصاد العام على مختلف مستوياته.

قد لا يبدي الحزب اكتراثاً بالشرائح المتضررة من الموقع الذي نقل الحزب إليه لبنان، على ما هي عادة الأحزاب الأيديولوجية عندما تتحكم بالمجتمعات، لكن ذلك لن يدوم طويلاً، ذاك أن الحزب يدفع اللبنانيين إلى الخروج من دورة اقتصاد وحياة شديدة الارتباط بخياراتهم وبمستويات عيشهم وبأنماط حياة لا يبدو أنه يملك بدائل لها. فأن تكون طهران بديلاً عن واشنطن، ودمشق بديلاً عن دبي، أو الرياض، والنجف بديلاً عن مكة، فهذا ما لا ينسجم مع خيارات اللبنانيين ومن بينهم الشيعة، ولا مع مصالحهم. ناهيك عن أن العواصم البديلة لم تعرض نفسها بصفتها هذه، ولا تقوى على ذلك أصلاً.

هذه الحقيقة تجعل المرء يتبصر في دوافع أمين عام حزب الله إلى خوض خطب لها هذه الأكلاف، وفي عدم تردده في تحقيق انتصارات ستنكشف أثمانها في اليوم الذي يعقبها. وكأن وظيفة النصر هي خطاب النصر وليس الواقع الذي يترتب عليه. أمسك الحزب بالقرار اللبناني وأنجز نصره، لكن ماذا بعد ذلك؟ لا يملك حزب الله خطة ولا بديلاً، وهذا ما يجعل الكارثة أكبر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG