Accessibility links

ثورات العرب بين الصندوقراطية والإصلاح الفكري والديني!


فرز صندوق في انتخابات سابقة بمصر

بقلم ماهر جبره

بدأ الحراك الثوري في كانون الأول/ديسمبر 2010 وتوالت الشعوب العربية في تحدي الأنظمة الديكتاتورية بكل شجاعة. امتلأ الكل بالآمال والأحلام بشأن تحول المنطقة التي طالما استعصت على الديموقراطية، إلى الحرية بعد عقود من نجاح الأنظمة الديكتاتورية في قمع شعوبها. ولكن سرعان ما تبددت تلك الأحلام وتحولت إلى كابوس مزعج!

فسورية دُمّرت والصراع أجبر ملايين السوريين على الهروب إلى الخارج. وليبيا التي قُتّل فيها الرئيس السابق معمر القذافي تحولت إلى بلد مصدّر للفوضى والإرهاب إلى جيرانه. أما اليمن السعيد فقد تحول إلى اليمن التعيس والممزق من كثرة الدماء والصراعات. ربما تونس كانت استثناء إلى حد ما، ولكن هذا لا ينفي أنها صدرت آلاف الإرهابيين إلى العالم! أما المصريون فقد فضلوا أن يستعيدوا نظام دولة يوليو 1952 على أن يلحق بلدهم بباقي الدول التي انهارت باسم الحرية والديموقراطية. والحقيقة أن صورة الطفل السوري إيلان الذي غرق علي شاطئ المتوسط كفيلة أن تجعل الغالبية العظمى من العرب يكفرون بفكرة الديموقراطية بل ويهللون للاستبداد باعتباره البديل المتاح للفوضى!

ربما تفترض من كلامي السابق أنني معاد لثورات الديمقراطية في المنطقة العربية، ولكن الحقيقة هي أنني كنت في الشارع منذ أولى لحظات اندلاع الثورة في بلدي يوم 25 يونيو 2011، هاتفا ومطالبا بكل طاقتي بإسقاط نظام حسني مبارك. ورقصت فرحا في ميدان التحرير لساعات طويلة يوم رحيل مبارك، وتخيلت بسذاجة مثل كثيرين أنه برحيل الطاغية العجوز سننعم بالحرية!

ولكن السنوات القليلة الماضية منذ 2011 وحتى الآن علمتني أن معركة بناء دولة مدنية ديموقراطية، هي ليست فقط مع الأنظمة القمعية، وإنما أيضا مع الأصوليات الدينية ومع كل قيمة معادية للحداثة والحرية!

إن نظرة سريعة على العالم العربي وعلى ما يسمى بدول "الربيع العربي" تكشف مدى فشل مشروع الصندوقراطية، أو "ديموقراطية الصندوق"، التي تعني ببساطة اختزال الديمقراطية في آلية صندوق الانتخابات، في مواجهة ما يحتاجه عالمنا العربي من مجهود طويل الأمد لإصلاح الفكر الديني والثقافة. فالديموقراطية ثقافة قبل أن تكون أسلوبا للحكم!

إن الصندوقراطية أو ديموقراطية الصندوق هي التي جعلت شخصا يرى في سيد قطب الإسلام الحقيقي، رئيسا لمصر! فقد قال محمد مرسي الرئيس الإسلامي المعزول أن سيد قطب، الأب الروحي لكثير من الجماعات التكفيرية الموجودة حاليا، هو من يمثل الإسلام الصحيح!

إن ديموقراطية الصندوق هي التي جلبت حماس لحكم غزة سنة 2006، وقد كانت انتخابات واحدة ولم تتكرر بعد أن منعت حماس إجراء أي انتخابات. إن ديموقراطية الصندوق هي الموجودة في إيران وهي التي مكّنت أحمدي نجاد من قمع انتفاضة "أين صوتي؟" سنة 2009، وهي أيضا التي تمكّن النظام الإيراني من إعدام العديد من الأبرياء كل سنة، فقط لأنهم مثليي الجنس!

إن فشل "الربيع العربي" يعود بالأصل في رأيي إلى اختزال مفهوم الديموقراطية الليبرالية الغربي في آلية صندوق الانتخاب! فقد تخيل البعض أن بإمكان شعوبنا العبور إلى الحداثة والديموقراطية دون المرور بمرحلة الإصلاح الديني والفكري التي سبقت الإصلاح السياسي في أوروبا. تخيل البعض أنه من الممكن أن نصل إلى ديموقراطية سويسرا ورفاهية السويد من دون أن نمر بما مر به الأوروبيون من إصلاح لأفكارهم وتنازلهم عن مفهوم الأصولية الدينية لصالح فكرة العلمانية. وتنازلهم عن فكرة الحق الإلهي المقدس لصالح فكرة نسبية الحقيقة.

إن الأطفال الذين يموتون غرقا في مياه المتوسط كل يوم هم ضحايا نزاعات طائفية بين أبناء دين واحد، فهم لا يموتون من أجل الحرية والديموقراطية! ولكنهم يُذبحون بسكين بارد في حرب بالوكالة بين النظام السعودي السني والنظام الإيراني الشيعي. إن السعودية وإيران لن يتوقفا عن هذه الحرب الطائفية البغضاء التي مزقت سورية واليمن ودولا أخرى، حتى يغرق آخر طفل سوري على شواطئ المتوسط ويموت آخر كهل يمني بسبب انتشار الكوليرا ونقص الدواء.

ففي 2013 هلل المصريون للشيخ محمد حسان والشيخ محمد عبد المقصود في استاد القاهرة عندما حرضا علنا، علي مرأى ومسمع من رئيس الجمهورية المعزول محمد مرسي، على الشيعة واصفين إياهم "بالأنجاس"! بعدها بأيام معدودة تم سحل أربعة من الشيعة بينهم القيادي الشيعي الشيخ حسن شحاته وضربهم في الشارع إلى أن قتُلوا في مشهد لا يختلف إطلاقا عما تفعله داعش. فقط لأنهم شيعة وليسوا سنة!

وفي مارس 2009 في قرية الشورانية بسوهاج تم حرق بيوت مواطنين مصريين مسالمين وطردهم من قريتهم، لمجرد أنهم بهائيين! ومن المحزن أنه لم يدافع عنهم سياسي مصري واحد ولو حتى بتصريح! أما في نوفمبر 2015 فقد ذبحت أسرة ابنتها في الفيوم لأنها تحولت من الإسلام إلى المسيحية وتزوجت من مسيحي بل والأدهى، أن الجلسة العرفية التي عُقدت بعد الحادثة قررت عقاب وطرد عائلة زوج الضحية المسيحي كاملة من القرية وبيع ممتلكاتهم.

والسؤال بوضوح لهؤلاء الذين يختزلون مفهوم الديموقراطية في آلية صندوق الانتخابات: كيف ننتظر من مجتمع يقتل بعضه البعض على أساس الهوية الدينية أن يبني ديموقراطية تعددية ليبرالية لمجرد وجود صندوق انتخاب؟! إن الأمر أعقد من ذلك بكثير!

والحقيقة أن العراق بوضعه الحالي هو أكبر دليل على فشل نظرية الصندوقراطية. فبالرغم من سقوط الطاغية صدام حسين بعد دخول أميركا العراق عام 2003، وبالرغم من أن أميركا فككت الدولة البوليسية في العراق، إلا أن الصراع الطائفي بين السنة والشيعة والتطرف الديني مزقا العراق تماما. وعلى الرغم من أن الفيلسوف الإنجليزي جون لوك كتب كتابه الشهير "رسالة في التسامح" منذ أكثر من أربعة قرون، في محاولة منه لترسيخ فكرة قبول الآخر لوقف نزيف الدماء بين الكاثوليك والبروتستانت، وعلى الرغم من أن أميركا صرفت أمولا طائلة، من أجل إعادة بناء ودمقرطة العراق، يبدو أن جون لوك المسلم لم ينجح في إقناعنا بعد، أن السني والشيعي لهم حقوق متساوية وأنه من الممكن أن يتعايشوا سويا من دون أن يقتلوا بعضهم البعض!

إن نجاح أي ديموقراطية يتوقف على مدى إيمان أفراد المجتمع بقيم الديموقراطية الليبرالية من تعددية وقبول للآخر واحترام للحريات بكافة أنواعها ونبذ للطائفية. وهنا يكمن السؤال الصعب، فإذا كانت الثقافة السائدة في معظم بلادنا العربية مناهضة للحريات الفردية والدينية والفكرية، فكيف يتسنى لنا أن نبني ديمقراطيات ناجحة؟

فحقيقة الأمر، إذا كنا نريد أن نلحق بقطار الحداثة علينا أن ندرك أن عالمنا العربي لا يحتاج فقط إلى إصلاح سياسي لتصير أنظمتنا السياسية ديموقراطية وشفافة، ولكننا نحتاج بالتوازي إلى إصلاح فكري وديني يعيد تشكيل منظومة القيم، فيطرد القيم المعادية للحريات ويتمسك بما هو مناصر لها!

---------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG