Accessibility links

بقلم عمار عبد الحميد

"إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا" مقولة مشهورة ورائجة في المجتمعات العربية والإسلامية هذه الأيام، يخالها البعض حديثا نبويا وهي ليست كذلك وإن اتفقت من حيث المضمون مع أحاديث معروفة.

وغالبا ما تستخدم هذه المقولة كطريقة لشرعنة حالة الازدواجية الأخلاقية التي بات يعيشها كثير من المسلمين حول العالم من خلال التناقض الصارخ ما بين مبادئهم المعلنة وممارساتهم الفعلية، علاوة على تجييرها كمقاربة استباقية لمنع التشكيك بالمبادئ ذاتها من خلال إيجادها آلية للتعايش مع "المعصية" من دون الانخراط في أية محاولة جدية للتدقيق فيها أو لإعادة التفكير في معناها في ضوء معطيات الواقع المعاصر، واقع القوانين المدنية ومفاهيم مثل المواطنة والديموقراطية والمساواة ما بين الجنسين، بل والحرية الجنسية.

علاوة على ذلك، تستخدم المقولة أيضا كأداة في حرب نفسية مستمرة ضد أصحاب الفكر المخالف ووسيلة لقمع أي حوار جدي حول الأعراف والتقاليد والموروث من خلال تخجيل أصحاب الفكر الجديد ودفعهم لعدم المجاهرة بآرائهم وفرض حالة من الحصار الاجتماعي عليهم. إنها وسيلة لمحاربة التغيير من خلال منع طرح الأفكار الجديدة على الساحة وحصار أصحابها وعزلهم عن المشاركة في الحياة الاجتماعية والفكرية.

المقولة خطيرة إذن، لكنها لا تعبر عن تطرف في الفكر بقدر ما تنم عن هشاشة في الهوية وعقلية رافضة للتغيير ومشبعة بالخوف منه، ونفسية غير قادرة على الانتماء إلى العالم المعاصر لأنها لم تشارك في صنعه أو في تشكيل أدواته، الفكرية منها والمادية. بل تعكس المقولة حالة من الضياع وانعدام التوازن وتناقضا في الأهواء ما بين الرغبة في الاستفادة من منجزات العالم المعاصر، بحداثته وقوانينه وحرياته، بل والاستحواذ عليها أو بعضها على الأقل، ورغبة في الحفاظ على الماضي الذي لا يزال يشكل مصدر الهوية الأساسي وربما الوحيد عند الشعوب التي تبنّت هذه المقولة.

لكن هذا الموقف يأتينا كدليل على الاحتضار المستمر لهذه الشعوب حتى بعد مرور عقود على تجارب التحديث المجتمعي والسياسي والثقافي فيها، فهو من حيث قدرته على التأثير على مجريات الأمور لا يزيد عن كونه ردة فعل عدمية الطابع على الحضارة المعاصرة، ردة قادرة على تجميد عمليات التغيير والتحديث المجتمعي وعلى تدمير الشعوب والمجتمعات لكن ليس بوسعها أن تفرز أية بدائل ناجعة غير ما هو قائم من مؤسسات حضارية معاصرة، بحسناتها وسيئاتها.

ولهذا الموقف تجلياته في المجتمعات الأخرى بالطبع، فهو موقف نفسي في جوهره أكثر منه دينياً أو عقائدياً، كونه نابعا عن المنشأ الخارجي للكثير من المفاهيم الحضارية المعاصرة كما سبق ونوهنا في مقال سابق. لكن وجود حامل ديني وثقافي له في المجتمعات ذات الغالبية المسلمة، متمثل في المقولة المطروحة هنا، وغيرها، يفرض على مواطني هذه المجتمعات إيجاد طريقة ما لتفنيده ومعالجة آثاره وتبعاته.

إن الشعوب الحية هي تلك التي تستمد هويتها من نشاطاتها وإنجازاتها المعاصرة في المجالات المختلفة وليس من نجاحات الأجداد وأمجاد الماضي، فلكل الشعوب أمجادها وماضيها. إنها الشعوب القادرة على الانتماء للحاضر وعلى المشاركة في صناعته. إنها الشعوب التي تعطي للمواطن فيها حق المجاهرة بما يؤمن به، ما لم يدعُ إلى قتل أو سرقة أو أي تعدّ واضح وصريح على حقوق الآخرين، والتي لا دخل للدولة فيها بتعريف "المعصية"، تاركة الأمر في هذا الصدد للأفراد وللجماعات الإيمانية المختلفة بما يتناسب مع معتقداتها الخاصة، ما لم تتعد إحداها على أخرى أو تحرّض عليها.

ولاشك في أن الجماعات الإيمانية في مجتمعاتنا المعاصرة باتت بحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم المعصية وفي طريقة التعامل معها في ضوء المتغيرات الجمة التي طرأت على الواقع المعاش خاصة في ما يتعلق بحق الفرد في تقرير سلوكه الشخصي، وربما أصبح لزاماً على المؤسسات الدينية في هذه المرحلة أن تكتفي بدور الناصح والمرشد وأن تبتعد عن دورها الوصائي التقليدي. وربما كان إفساح المجال أمام الأفراد للمجاهرة حتى بتلك التصرفات التي تعترض عليها المؤسسات الدينية يعطيها، والدولة، والمواطنين كافة، فرصة أفضل للتعامل مع الواقع كما هو بعيداً عن التكهنات والافتراضات.

أما الإصرار على ثقافة الاستتار فله أبعاد لا تتوقف عند حد المعاصي المتعارف عليها تقليدياً، فإن اختيار المرء أن يكون شيوعياً أو ليبرالياً مثلاً، ومحاولته التعبير عن توجهاته وآرائه هذه من خلال تصريحاته وتصرفاته، يعد معصية عند معظم الإسلاميين، بل والمسلمين عامة، فلا شك في أن بعض الخيارات والسلوكيات المرتبطة بالتوجهات السياسية والاجتماعية والفكرية المعاصرة، تشكّل معصية وفقاً للمفاهيم والأعراف والشرائع التقليدية، لذا تمثل الدعوة إلى الاستتار والسترة هنا وسيلة لقمع تيارات سياسية وشرائح اجتماعية بعينها، وتكريساً أو تأسيساً لأنظمة استبدادية دينية وطائفية الطابع.

أما في المجتمعات الحرة فلا حرج على امرئ جاهر بما يؤمن به، حتى وإن اعتبره البعض معصية، ما لم يدعُ إلى تعدّ صريح وواضح على حقوق الآخرين. أما المشاعر، فحمايتها ليست من مهمة الدول والحكومات، ولا ينبغي لها أن تكون، بل إنه من النضج أن يقبل الناس في مرحلة من العمر أن الحياة قد لا تتوافق مع رغباتهم وأهوائهم في الكثير من الأحيان، وأن يتعلموا كيف يدارون مشاعرهم عندما تتأذى، وأن لا يطالبوا الدولة بذلك، خاصة إذا كان الأمر يستدعي انتهاك الحقوق الأساسية لمن كان مختلفاُ عنهم في آرائه وتصرفاته.

-----------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG