Accessibility links

أبغض الحلال


لاجئات سوريات على شاطيء يوناني بعد عبورهم البحر المتوسط

بقلم كوليت بهنا

التقارير الإعلامية العالمية التي تتحدث عن قصص اللاجئين السوريين في دول العالم أو سلوكياتهم أو إبداعاتهم أو اندماجهم تكاد لا تتوقف على مدار الساعة مع استمرار الحدث السوري وازدياده تشابكاً وتعقيداً. مع ملاحظة ميل هذه التقارير بشكل أكبر لتسليط الضوء على المرأة السورية اللاجئة دون غيرها من آلاف النساء من جنسيات أخرى لجأن إلى الدول ذاتها.

آخر هذه التقارير أفادت بأن المرأة السورية احتلت المرتبة الأولى بنسب الطلاق في أوروبا، متفوقة على نظيراتها من اللاجئات الأخريات أو الأوربيات. الأمر الذي رحب به البعض واعتبره (كرامة) لها، وخطوة أولى في درب انعتاقها من سلسلة طويلة من المظالم.

من المعروف أن النسبة الكبرى من الزيجات في المجتمعات المحافظة مثل المجتمع السوري، تبنى على خطأ وبالتالي تنجب أخطاء أكبر. ورغم أن أسباب الطلاق تعد بالمئات، إلا أن أبرزها هو نتيجة عدم اختيار معظم الفتيات لشريك حياتهن بملء إرادتهن. زيجات تتحكم بها المصالح المالية والعشائرية والدينية وغيرها، إضافة إلى العادات التي تعتبر الفتاة عاراً أو عبئاً مالياً ثقيلاً على أهلها وبالتالي يتم التخلص منها بأسرع وقت بتزويجها أية زيجة كانت.

ومع وصول هذه الأسر إلى مجتمعات جديدة تنصف المرأة بالعموم وتدعمها، وتسن قوانين صارمة حيال الممارسات القمعية التي تتعرض لها النساء وفي مقدمها العنف الأسري، استغلت العديد من النساء هذه البيئة المناسبة لخلاصهن من عبء هذا الزواج المضني، وقد شجعهن على الأمر بعدهن عن الوطن والمخاوف من ضغط الأهل والأقارب وما يمكن أن تلوكه مجتمعاتهن الضيقة من كلام بحقهن. لكن الأهم هو أنهن وجدن أن طلاقهن لا يعني رميهن بالشارع، أو العودة لبيوت أهلهن أو اللجوء لأصدقاء أو أقارب، وأول ما اكتشفنه هو حقهن بالحصول على سكن مستقل خاص بهنّ ودخل شهري ثابت، أي الاستقرار والأمان وحماية القوانين لهن حتى النهاية.

ومع كل الاحترام والتفهم لمظالم النساء وحقهن في حياة كريمة، كذلك مع الاحترام لقوانين هذه الدول التي تساند النساء وحقوقهن، لا يمتلك المرء إلا أن يتعامل مع ارتفاع نسبة الطلاق بحسرة وخيبة يضافان إلى خيبات وحسرات كثيرة عاشها السوريون منذ حوالي سبع سنوات. ومهما كنت موضوعياً ومتفهماً، لا يمكنك أن ترحب بخراب الأسرة السورية وتدميرها. هذه الأسرة التي تشتت وتبعثرت هنا وهناك، أو فقدت أحد أبنائها أو أكثر، كما فقدت البيت الأول والاستقرار والذكريات، تفقد اليوم بالطلاق الشعرة الأخيرة للتلاحم الأسري المطلوب في زمن الحروب، والحنان المشتهى في الغربة القسرية.

ربما لو كثفت الدول المضيفة عبر مراكز متخصصة برامج اجتماعية ونفسية وتربوية لإعادة اللحمة بين الأزواج المختلفين، ومنحهم الفرص والزمن الكفيلين برأب التصدعات العاطفية وتصعيب طلبات الطلاق وسن الشروط القاسية لها، لساهمت في تخفيض نسبة الطلاق، وتخفيف الضرر ما أمكن عن ضحاياه، وفي مقدمهم وأهمهم بلا منازع هم الأطفال الذين يدفعون الثمن دوماً بأشكال مختلفة، إن في بنيتهم النفسية والجسدية والصحية والتعليمية، أو فشل معظمهم مستقبلاً في تأسيس أسر جراء تراكمات الذاكرة، أو عدم الرغبة بالزواج والذعر من تأسيس عائلة. ولا أعتقد أن هناك طفلاً سوياً يرغب بالعيش منفصلاً عن أمه أو أبيه، أو يرغب بالعيش لاحقاً مع زوجة أب أو زوج أم، وما يمكن أن يتخيله المرء من مآس اجتماعية جراء هذا الكسر النفسي.

لا ينفي أحد أن الطلاق يمكن أن يكون حلاً إنقاذياً في العديد من الحالات المستعصية والخطيرة، ويمكن أن يكون استعادة (لكرامة) سُفكت لأسباب عدة، لكنه كان وسيظل دوماً، مهما واربنا في تعريفاته اللفظية: (أبغض الحلال).

ــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG